مركز التواصل والمعرفة المالية: ركيزة استراتيجية لتعزيز الثقافة المالية في المملكة
يشكل مركز التواصل والمعرفة المالية، المعروف بـ مُتمم، إحدى المبادرات الرائدة لوزارة المالية في المملكة العربية السعودية، ويمثل حجر زاوية في مساعي المملكة لتعزيز الثقافة المالية وتبادل الخبرات. هذا المركز، الذي أُطلق بمسماه الحالي في عام 2020م، لا يقتصر دوره على التثقيف المالي فحسب، بل يتجاوزه إلى بناء جسور التواصل والشراكات الفاعلة مع كافة الأطراف المعنية ضمن المنظومة المالية والاقتصادية. تأتي هذه الجهود في سياق دعم أهداف وزارة المالية الرامية إلى ترسيخ مكانة المملكة إقليمياً وعالمياً، وبما يتماشى تماماً مع الرؤية الطموحة للمملكة 2030.
مسيرة التأسيس والتطور: من المعلومات إلى المعرفة الشاملة
لم يولد مركز التواصل والمعرفة المالية دفعة واحدة، بل مر بمراحل تطور تعكس نضوج الرؤية الاقتصادية للمملكة. تأسس المركز لأول مرة في عام 1976م، تحت مسمى “مركز المعلومات المالية”، وكان تركيزه ينصب حينها على توفير خدمات المعلومات والبرامج الإعلامية والتصوير. هذه البدايات كانت بمثابة اللبنة الأولى لبناء كيان معرفي متكامل.
تحولات جوهرية في الأدوار والمهام
في عام 1981م، شهد المركز توسعاً في مهامه ليشمل التحليل الاقتصادي، وهو ما أدى إلى تغيير اسمه ليصبح “المركز الوطني للمعلومات المالية والاقتصادية”. هذه الخطوة لم تكن مجرد تغيير اسمي، بل عكست إدراكاً متزايداً لأهمية دمج التحليل الاقتصادي في صلب عمل المركز. وفي عام 2017م، تم تفعيل دور المركز بشكل أكبر تماشياً مع استراتيجية وزارة المالية للفترة (2017 – 2020م)، مع التركيز على مهام الشراكة والدعم المعرفي مع أصحاب المصلحة، مما مهد الطريق لإطلاق هويته الجديدة في عام 2020م تحت اسم مركز التواصل والمعرفة المالية، تزامناً مع اعتماد استراتيجيته الجديدة للفترة (2023 – 2026م). هذه التغيرات المتتالية تبرز المرونة والتكيف مع المتطلبات المتغيرة للساحة الاقتصادية.
رؤية وأهداف طموحة
تتمثل رؤية مركز التواصل والمعرفة المالية في أن يصبح منارة رائدة في تعزيز الثقافة المالية وبناء الشراكات المعرفية المتخصصة. ويستند المركز في تحقيق هذه الرؤية على مجموعة من الأهداف الاستراتيجية التي تشمل:
- تعزيز المعرفة والثقافة المالية ضمن القطاع المالي، وذلك لرفع مستوى الكفاءة والوعي لدى العاملين فيه.
- رفع مستوى الوعي بالثقافة المالية للمجتمع بشكل عام، مما يمكن الأفراد من اتخاذ قرارات مالية مستنيرة.
- تطوير الشراكات المحلية والدولية لجذب المزيد من الداعمين والخبرات، مما يوسع نطاق تأثير المركز.
- ابتكار مبادرات ومنتجات معرفية تسهم في نشر الثقافة المالية بفاعلية، من خلال إشراك أصحاب المصلحة كافة.
آلية عمل المركز ودوره في المشهد الاقتصادي
يضطلع مركز التواصل والمعرفة المالية بدور حيوي في متابعة ورصد المستجدات المتلاحقة في القطاعين المالي والاقتصادي. وقد تجلى هذا الدور بشكل خاص خلال فترات الأزمات العالمية، مثل جائحة كوفيد-19، حيث عمل المركز على إصدار تقارير إعلامية يومية تستعرض أبرز المتغيرات الاقتصادية وتأثيراتها على الأسواق العالمية والمحلية. هذا الجهد لم يقتصر على التحليل، بل امتد ليشمل بناء شبكة قوية من الشراكات الفعالة بين المسؤولين في القطاع الحكومي، والخبراء والمختصين في القطاع المالي والاقتصادي، بهدف إثراء النقاش وتبادل الآراء ونشر المعرفة المتخصصة.
مبادرات تعزز الوعي المالي
لتحقيق أهدافه الطموحة في تنمية المعرفة المالية، أطلق المركز ثلاث مبادرات نوعية تهدف إلى الوصول لشرائح واسعة من المجتمع والقطاع المتخصص:
- ديوانية المعرفة: تركز هذه المبادرة على الإثراء المعرفي المتخصص من خلال تنظيم سلسلة من الجلسات النقاشية مع نخبة من القيادات والخبراء في القطاعين المالي والاقتصادي. تهدف هذه الجلسات إلى مناقشة القضايا المالية والاقتصادية المستجدة، وتعزيز التواصل والشراكة المعرفية، لنشر الثقافة المالية وربطها بالتقدم التقني ومشاركة الدروس المستفادة.
- رحلة المعرفة: تسعى هذه المبادرة إلى تقديم محتوى تثقيفي تفاعلي يصل إلى فئات أوسع، عبر وسائل ومسارات متنوعة.
- المعرض التوعوي المالي: يهدف هذا المعرض إلى توفير منصة تفاعلية للجمهور للتعرف على مفاهيم مالية واقتصادية بطريقة مبسطة وجذابة.
وأخيراً وليس آخراً
لقد أثبت مركز التواصل والمعرفة المالية، منذ تأسيسه وخلال مسيرة تطوره، دوره المحوري كذراع معرفي لوزارة المالية في المملكة العربية السعودية. إنه ليس مجرد مستودع للمعلومات، بل هو محرك ديناميكي يسعى باستمرار لتعزيز الثقافة المالية، وبناء شراكات استراتيجية، وتقديم محتوى تحليلي يعكس الواقع الاقتصادي المتغير. ومع تركيزه المستمر على رؤية السعودية 2030، يظل السؤال: كيف سيواصل المركز ابتكار آليات جديدة للتفاعل مع جيل الشباب، وضمان أن تكون الثقافة المالية جزءاً لا يتجزأ من تكوينهم المستقبلي، ليصبحوا بذلك قادة اقتصاديين ومواطنين فاعلين في بناء مستقبل المملكة؟











