محمد بن أحمد العقيلي: مؤرخ الجنوب ورائد الأدب السعودي الحديث
محمد بن أحمد العقيلي (1336هـ/1918م – 1423هـ/2002م)، شخصية بارزة في تاريخ المملكة العربية السعودية، فهو شاعر، وكاتب، ومؤرخ، وعالم جغرافي، يُعد من رواد الأدب الحديث والتاريخ في منطقة جازان. لُقب بـ”مؤرخ الجنوب” تقديرًا لإسهاماته الكبيرة، كما أسس نادي جازان الأدبي وترأسه، وأثرى المكتبة العربية بحوالي 35 كتابًا في مجالات التاريخ، والجغرافيا، والأدب، والشعر، على مدى أربعين عامًا.
نشأة وتعليم محمد العقيلي
وُلد محمد بن أحمد العقيلي وترعرع في محافظة صبيا التابعة لمنطقة جازان، حيث تلقى تعليمه الأولي. انتقل بعدها إلى مدينة جازان ليكمل تعليمه الديني والأدبي واللغوي على يد علماء بارزين، منهم عبدالله العمودي، وأحمد الأهدل، وعقيل بن أحمد، بالإضافة إلى والده أحمد بن عيسى العقيلي.
بداياته الأدبية
ظهر شغف محمد العقيلي بالشعر، والأدب، والتاريخ منذ صغره. بدأ في نظم الشعر في سن مبكرة، وترأس العديد من المجالس الأدبية في جازان، كما كانت له علاقات وثيقة مع الصحافة والأدب في منطقة الحجاز.
مسيرة محمد العقيلي المهنية
بعد إتمام تعليمه، انخرط محمد بن أحمد العقيلي في العمل الحكومي في بداية العشرينات من عمره. بدأ مسيرته الوظيفية كمراجع في وزارة المالية – فرع جازان عام 1356هـ/1937م، وتدرج في المناصب حتى أصبح مديرًا للفرع. انتقل بعدها ليعمل مديرًا لدار الأيتام بجازان عام 1377هـ/1957م، ثم عُين مديرًا لمكتب العمل في المنطقة.
تأسيس نادي جازان الأدبي
استمر محمد بن أحمد العقيلي في منصبه كمدير لمكتب العمل في جازان لمدة تقارب 12 عامًا، إلى أن تقاعد في الخمسينات من عمره عام 1389هـ/1969م. بعد تقاعده، كرس جهوده للبحث والتأليف، وسعى لإنشاء نادٍ أدبي ثقافي يجمع أدباء ومثقفي جازان، فأسس نادي جازان الأدبي في بداية الثمانينات الميلادية وتولى رئاسته.
مؤلفات محمد العقيلي وإسهاماته
في عام 1370هـ/1950م، ألّف محمد بن أحمد العقيلي كتاب “شعراء الجنوب” بالاشتراك مع صديقه الشاعر محمد بن علي السنوسي، وهو مؤلف أدبي حديث. بعد ذلك، وجه اهتمامه نحو التأليف التاريخي، والأدبي، والجغرافي لمنطقة جازان. بدأ بنشر دراسات وبحوث تاريخية في مجلة اليمامة منذ عام 1373هـ/1953م، ثم انكب على تأليف كتاب “تاريخ المخلاف السليماني”، الذي صدر في ثلاثة أجزاء، أولها في الرياض عام 1378هـ/1958م.
التوثيق الموسوعي لمنطقة جازان
حظيت قدرة محمد بن أحمد العقيلي التأليفية الموسوعية بتقدير كبير من المثقفين والمؤرخين. بناءً على ذلك، دعاه عدد من الباحثين السعوديين، وعلى رأسهم حمد الجاسر، لتأليف معجم جغرافي للمملكة العربية السعودية. استجاب العقيلي لهذه الدعوة وأصدر كتاب “المعجم الجغرافي للبلاد العربية السعودية: مقاطعة جازان” عام 1389هـ/1969م. تلت ذلك مؤلفات أخرى في التوثيق الموسوعي لمنطقة جازان ومناطق تهامة، مثل “الآثار التاريخية في منطقة جازان”، و”الأدب الشعبي في منطقة جازان”، و”معجم اللهجات المحلية في جازان”، بالإضافة إلى كتب عن تاريخ نجران وعسير.
دواوين محمد العقيلي الشعرية
تغلبت رغبة محمد بن أحمد العقيلي في إثراء المكتبة السعودية بمؤلفات تاريخية وموسوعية على رغبته في نشر شعره. لذا، تأخر في إصدار دواوينه الشعرية، ولم ينشر سوى ثلاثة دواوين في حياته: “الأنغام المضيئة” عام 1391هـ/1971م، و”أفاويق الغمام” عام 1402هـ/1981م، و”رأد الضحى”. لاحقًا، جُمعت قصائده في إصدار بعنوان “الأعمال الشعرية الكاملة”.
و أخيرا وليس آخرا
في الختام، يظل محمد بن أحمد العقيلي رمزًا للإسهام الثقافي والأدبي في المملكة العربية السعودية، حيث ترك بصمة لا تُمحى في تاريخ منطقة جازان وأدبها. فهل يمكن للأجيال القادمة أن تستلهم من نهجه في التوثيق والإبداع، وتسير على خطاه في خدمة الثقافة والتاريخ؟











