دور ميادة بدر الريادي في الارتقاء بفنون الطهي السعودية
لطالما كان الطهي السعودي مرآة تعكس ثراء التقاليد وعمق الهوية الثقافية للمملكة، وموئلاً لحكايات الأجداد التي تتجسد في كل طبق. وفي سياق التطلعات الكبرى للمملكة نحو بناء مستقبل ثقافي مزدهر، برزت الحاجة إلى قيادات وطنية تمتلك الرؤية والخبرة لدفع هذا القطاع الحيوي قُدماً. هنا تكمن الأهمية المحورية لشخصية مثل ميادة بدر، التي تولت منصب الرئيس التنفيذي لهيئة فنون الطهي عام 2020م، في خطوة تعكس التزام وزارة الثقافة بتعزيز مكانة فن الطهي السعودي على الخريطة العالمية. لم يكن تعيينها مجرد قرار إداري، بل كان تتويجاً لمسيرة مهنية أكاديمية وعملية زاخرة، ورهاناً على قدرتها على صياغة استراتيجيات مبتكرة تصون الإرث وتفتح آفاقاً جديدة للإبداع في هذا المجال.
مسيرة تعليمية تجمع بين الأصالة والعالمية
إن السيرة الأكاديمية لـميادة بدر تعد نموذجاً للتكامل المعرفي، حيث لم تكتفِ بشغفها المبكر بفنون الطهي، بل سعت إلى صقل هذا الشغف بالتحصيل العلمي الرفيع. فقد شدت الرحال إلى عاصمة الفنون والذوق، باريس، لتلتحق بالمدرسة الدولية المرموقة “لو كوردون بلو”، التي تعد منارة عالمية في تدريس فنون الطهي وإدارة الضيافة. هناك، نالت الدبلوم العالي في فنون الخبز والطهي، وهو إنجاز لم يأتِ إلا بعد تدريب مكثف تحت إشراف نخبة من الطهاة العالميين، ما منحها منظوراً عالمياً وتقنيات متقدمة.
لم تكن دراستها في فرنسا هي المحطة التعليمية الوحيدة التي صقلت شخصيتها، فقبل ذلك، حصلت على درجة البكالوريوس من مدرسة بارسونز للتصميم في نيويورك بالولايات المتحدة الأمريكية. هذا المزيج الفريد من التعليم في مجال التصميم والفنون، ومن ثم التخصص الدقيق في فنون الطهي، زودها بمنهجية إبداعية وقدرة على الابتكار، وهو ما يتجلى بوضوح في رؤيتها لتطوير قطاع الطهي السعودي. هذه الخلفية المتنوعة مكنتها من ربط الجماليات البصرية بعمق النكهات، مقترحةً بذلك بعداً جديداً لتجربة الطعام.
خبرات عملية ترسم ملامح القيادة
قبل أن تتبوأ ميادة بدر موقعها القيادي في هيئة فنون الطهي، كانت لها بصمات واضحة في المجال العملي، حيث عملت طاهية تنفيذية إبداعية في مطعم “Black Cardamom”. هذه التجربة العملية المباشرة في قلب المطبخ، حيث الإبداع والتحدي يوماً بعد يوم، منحتها فهماً عميقاً لديناميكيات الصناعة ومتطلباتها. في عام 2020م، صدر القرار بتعيينها رئيسة لقطاع الطهي، وتزامن ذلك مع توليها منصب الرئيس التنفيذي لهيئة فنون الطهي.
تعد هذه الهيئة واحدة من الهيئات الإحدى عشرة التي أُنشئت بهدف تطوير القطاع الثقافي في المملكة، مما يبرز الأهمية الاستراتيجية التي توليها الدولة لقطاع الطهي كجزء لا يتجزأ من الهوية الثقافية والاقتصاد الوطني. إن اختيارها لهذا المنصب يعكس الثقة في قدرتها على قيادة تحول شامل في المشهد الطهوي السعودي، مستفيدة من خلفيتها الأكاديمية وخبرتها العملية.
إنجازات ورؤى تحولية في قطاع الطهي
تولت ميادة بدر مهام جسام تهدف إلى النهوض بقطاع الطهي السعودي ووضع استراتيجية شاملة لتطويره. لم تقتصر هذه المهام على الجانب التنفيذي فحسب، بل شملت بناء نظام تشريعي متين، بالتعاون مع الجهات الفاعلة في هذا المجال. كما كان دعم وتشجيع الأفراد والمتخصصين، وتوفير بيئة خصبة للنمو الإبداعي، في صلب أولوياتها، إيماناً منها بأن العنصر البشري هو وقود الابتكار والتميز.
مبادرة إرث مطبخنا: صون الهوية وتوثيق المذاق
خلال فترة رئاسة ميادة بدر لهيئة فنون الطهي، أُطلقت في عام 1441هـ/2020م مبادرة “إرث مطبخنا”. هذه المبادرة الطموحة لم تكن مجرد مشروع عابر، بل مثلت ركيزة أساسية لتوثيق وحفظ وصفات أهم الأطباق التقليدية في الثقافة السعودية. إلى جانب ذلك، سعت المبادرة إلى اكتشاف المواهب المحلية في مجال الطهي، وتعزيز روح التفاعل لدى المهتمين بالوصفات التقليدية. وكان لها بعد اجتماعي مهم يتمثل في تحفيز الأجيال الشابة على تبادل هذه الوصفات مع الأجيال التي سبقتهم، لضمان استمرارية هذا الإرث العريق وتمريره عبر الأجيال. هذه المبادرة تشبه إلى حد كبير جهوداً عالمية سابقة لليونسكو في توثيق التراث غير المادي.
شراكات دولية لتعزيز التعليم الطهوي
في العام نفسه، وقعت بدر مذكرة تفاهم استراتيجية مع معهد “لو كوردون بلو” العالمي، بهدف تأسيس معهد تعليمي متخصص في مدينة الرياض. هذا المعهد، الذي يقدم برامج تعليمية متقدمة في قطاع الطهي والضيافة، بالاستفادة من العلامة التجارية والموارد التعليمية والخبرات العالمية لـ”لو كوردون بلو”، يمثل قفزة نوعية في مجال التعليم الطهوي بالمملكة. إن مثل هذه الشراكات تفتح آفاقاً واسعة للشباب السعودي الطموح، وتؤهلهم وفقاً لأعلى المعايير العالمية، مما يعزز قدرة المملكة على تصدير الخبرات الطهوية مستقبلاً.
جائزة عالمية تبرز مكانة المملكة
كان من أبرز الإنجازات خلال رئاسة ميادة بدر حصول منطقة عسير على جائزة منطقة فنون الطهي العالمية لعام 2024م. هذه الجائزة، التي نالتها عسير من المعهد الدولي لفن الطهي والثقافة والفنون والسياحة (IGCAT)، تعد سابقة تاريخية؛ إذ كانت عسير أول منطقة من خارج القارة الأوروبية تفوز بهذا اللقب المرموق. تسلمت هيئة فنون الطهي هذه الجائزة في 28 صفر 1444 هـ الموافق 24 سبتمبر 2022م، وهو ما يمثل اعترافاً دولياً بالثراء الطهوي للمملكة وجهودها في صون وتطوير هذا التراث، ويضعها في مصاف الوجهات العالمية الرائدة في هذا المجال. هذا الإنجاز يعكس أيضاً الدور الفعال للهيئة في إبراز التنوع الثقافي والجغرافي للمملكة من خلال مطبخها.
و أخيرا وليس آخرا: مستقبل الطهي السعودي برؤية رائدة
لقد نجحت ميادة بدر، من خلال قيادتها الحكيمة لهيئة فنون الطهي، في وضع أسس قوية لمستقبل الطهي السعودي. فمن توثيق الوصفات التقليدية عبر مبادرة “إرث مطبخنا”، إلى إطلاق برامج تعليمية عالمية المستوى بالتعاون مع “لو كوردون بلو”، وصولاً إلى تحقيق إنجازات عالمية مثل فوز عسير بلقب منطقة فنون الطهي العالمية، تتجسد رؤية طموحة تسعى إلى صون الهوية الثقافية مع الانفتاح على المعايير العالمية.
تُظهر هذه الجهود كيف يمكن للقيادة الملهمة أن تحول قطاعاً تقليدياً إلى محرك للنمو الثقافي والاقتصادي. ولكن، مع كل هذه الإنجازات، يظل التساؤل قائماً: كيف يمكن للمملكة أن تستثمر هذا الزخم العالمي في الطهي السعودي لتعزيز جاذبيتها السياحية والثقافية على المدى الطويل، وهل سنشهد قريباً مطابخ سعودية مبتكرة تعيد صياغة مفهوم المأكولات الفاخرة مستلهمة من إرثها العريق؟











