الدور المحوري للمملكة العربية السعودية في منظمة التعاون الإسلامي
تاريخ المملكة العربية السعودية ومكانتها الروحية والسياسية يجعلها ركيزة أساسية في تشكيل المشهد الإقليمي والدولي. يتضح الدور المحوري للمملكة العربية السعودية في منظمة التعاون الإسلامي بوضوح. تُعد المنظمة صوتاً جامعاً لأكثر من مليار ونصف المليار مسلم حول العالم. لم تكن السعودية مجرد عضو فاعل، بل كانت الدولة المؤسسة وصاحبة فكرة إنشائها، مما يمنحها ثقلاً تاريخياً واستراتيجياً. يُظهر استعراض تاريخ المنظمة ودور المملكة فيها عمق العلاقة وتأثير التوافق على مسار القضايا الحيوية التي تهم الشعوب الإسلامية.
النشأة والتأسيس: رؤية ملكية رائدة
جاءت فكرة تأسيس منظمة التعاون الإسلامي من رؤية الملك فيصل بن عبدالعزيز آل سعود، رحمه الله. دعا الملك فيصل إلى وحدة الأمة الإسلامية بعد حادثة إحراق المسجد الأقصى المبارك في عام 1969. استجاب عدد من قادة الدول الإسلامية لدعوته، وانعقد المؤتمر التأسيسي في العاصمة المغربية الرباط في العام نفسه. شهدت تلك اللحظة ميلاد صرح جديد لتعزيز التضامن الإسلامي.
الأمانة العامة: من جدة انطلقت المسيرة
بعد التأسيس، ظهرت الحاجة إلى جهاز إداري دائم لمتابعة القرارات وتنسيق الجهود. أسست الأمانة العامة للمنظمة على خلفية مؤتمر القمة الإسلامية لوزراء خارجية الدول الإسلامية، الذي انعقد في مدينة جدة بتاريخ 15 محرم 1390هـ، الموافق 23 مارس 1970م. اختيرت جدة، بصفتها بوابة الحرمين الشريفين ومركزاً إسلامياً عريقاً، مقراً دائماً للأمانة العامة، وهذا يعكس مكانة المملكة المحورية في قلب العالم الإسلامي.
الدعم السعودي المستمر: قاطرة التنمية والتضامن
منذ إنشاء المنظمة، التي كانت تُعرف سابقاً بمنظمة المؤتمر الإسلامي، قدمت المملكة العربية السعودية دعماً غير محدود. لم يقتصر هذا الدعم على الجانب المالي أو اللوجستي، بل شمل تأييداً قوياً لمواقف المنظمة من القضايا المصيرية. في مقدمة هذه القضايا تأتي القضية الفلسطينية، التي تعد محور اهتمام الأمة الإسلامية. سعت المملكة بجهود متواصلة لمعالجة الخلافات بين الأطراف العربية والإسلامية، مما أسهم في تعزيز وحدة الصف وتماسك المنظمة.
الدعم الإنساني والمالي: تعزيز مكانة المنظمة عالمياً
ساهم الدعم السعودي المستمر لأنشطة المنظمة في ارتقائها لتصبح ثاني أكبر منظمة حكومية دولية بعد منظمة الأمم المتحدة. امتد هذا الدعم ليواكب التحديات العالمية الراهنة. في سبتمبر 2021م، تبرعت المملكة بمبلغ 20 مليون ريال سعودي لتوفير لقاحات فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19). استهدف هذا الدعم كبار السن والعاملين الصحيين في 22 دولة عضواً من الدول الأقل نمواً داخل المنظمة، مؤكداً التزام المملكة بالدور الإنساني والتنموي.
استضافة المؤتمرات: منصة للحوار والتنسيق
احتضنت المملكة العربية السعودية عدداً من المؤتمرات الهامة لمنظمة التعاون الإسلامي، مما يؤكد مكانتها كمركز ثقل للحوار والتنسيق الإسلامي. منذ إنشاء المنظمة، استضافت المملكة خمسة مؤتمرات قمة إسلامية. كان أولها في عهد الملك خالد بن عبدالعزيز آل سعود، رحمه الله، عام 1401هـ الموافق 1981م. تبع ذلك مؤتمران في عهد الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود، رحمه الله، عامي 1426هـ الموافق 2005م، و1433هـ الموافق 2012م. انعقد المؤتمران الرابع والخامس في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، حفظه الله، عامي 1440هـ الموافق 2019م، و1445هـ الموافق 2023م. هذه الاستضافات المتوالية تعزز مكانة المملكة كملتقى للقادة والعلماء المسلمين.
الدور الدبلوماسي السعودي: صيانة السلم ونبذ الخلاف
تضطلع المملكة العربية السعودية بدور دبلوماسي فاعل ضمن منظمة التعاون الإسلامي، حيث تسعى لتعزيز أدوار المنظمة من خلال تفعيل قنواتها الدبلوماسية. تقدم المملكة الدعم والمساندة في القضايا الإسلامية والعالمية عبر مؤسساتها المتخصصة، مثل مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، والصندوق السعودي للتنمية. تعمل المملكة أيضاً على درء الخلافات بين الدول الأعضاء بالوسائل الدبلوماسية المتاحة، إيماناً بأهمية الوحدة والتكاتف.
الدبلوماسية الوقائية ومكافحة الإسلاموفوبيا
تستثمر المملكة العربية السعودية بشكل كبير في منظمة التعاون الإسلامي في مجال الدبلوماسية الوقائية. تهدف هذه الجهود إلى منع انتشار النزاعات عبر حلول سلمية ومفاوضات ترتكز على المساعي الحميدة للتوفيق بين المتنازعين. يتم التركيز بشكل خاص على نهج الوساطة، مع مراعاة الاعتبارات الاجتماعية والحساسيات الثقافية للمجتمعات الإسلامية. تتجاوز جهود المملكة ذلك لتشمل مكافحة ظاهرة الإسلاموفوبيا المتصاعدة، ومتابعة أوضاع المجتمعات المسلمة حول العالم.
تتبنى المملكة خطاب الاعتدال والوسطية، وتتصدر جهود التصدي للإرهاب وخطاب الكراهية والتطرف، معززة بذلك لغة التسامح. يسهم هذا النهج في الارتقاء بدور المنظمة التي تهتم بشؤون المسلمين في جميع قارات العالم، وتسعى لتعزيز التعاون بين الدول الأعضاء. تنسق المنظمة الجهود الرامية للحفاظ على مقدسات المسلمين، ومناهضة التمييز العنصري، ودعم القضية الفلسطينية، وضمان الأمن والسلم الدوليين على أسس من الحق والعدالة.
دعم الحوار بين أتباع الأديان: جسور للتفاهم
إدراكاً لأهمية التفاهم والتعايش السلمي، تبنت المملكة العربية السعودية مبادرات نوعية لدعم الحوار بين أتباع الأديان. في يونيو 2015م، وقّع مركز الملك عبدالله العالمي للحوار بين أتباع الأديان والثقافات (كايسيد)، الذي أسسته المملكة، مذكرة تفاهم مع منظمة التعاون الإسلامي. هدفت هذه المذكرة إلى توحيد جهود الحوار بين أتباع الأديان السماوية ودعم مساعي السلام في أنحاء العالم، مع تركيز خاص على البلدان والمناطق التي تواجه تحديات كبرى.
شراكات دولية لتعزيز التعايش
يتعاون المركز والمنظمة لتعزيز الحوار والتعايش السلمي بين أتباع التقاليد الدينية، لا سيما في جنوب شرق آسيا. أثمر هذا التعاون عن عقد مؤتمر إقليمي في بانكوك عام 2017م لمناقشة التوصيات لمعالجة هذا الموقف. تضافرت جهود المركز والمنظمة في جمهورية أفريقيا الوسطى، حيث ساهما في تعزيز دور القيادات التقليدية والجهات الدينية الفاعلة في تنفيذ اتفاقيات السلام وبناء قدرات الحوار. توجت هذه الجهود بتنظيم حوار مشترك بين أتباع الأديان في العاصمة السنغالية داكار في ديسمبر عام 2017م، واعتماد خطة عمل شاملة لتحقيق عملية السلام، مما يؤكد فاعلية الشراكة السعودية مع المنظمة في بناء جسور التفاهم.
وأخيراً وليس آخراً
تظل المملكة العربية السعودية، بتاريخها ودورها المتجذر، حجر الزاوية في منظومة منظمة التعاون الإسلامي. لم تكتفِ بتأسيس هذا الصرح الدولي، بل ظلت راعياً وداعماً ومحركاً رئيسياً لجهودها في مختلف الأصعدة. من الدعم المالي والإنساني، مروراً بالدور الدبلوماسي الفاعل في حل النزاعات ومكافحة التطرف، وصولاً إلى تعزيز الحوار بين أتباع الأديان، يتجلى التزام المملكة الراسخ بقضايا الأمة الإسلامية والإنسانية جمعاء. إن هذا الارتباط الوثيق بين المملكة والمنظمة ليس مجرد علاقة تقليدية، بل هو شراكة استراتيجية تعكس رؤية عميقة لمستقبل يسوده السلام والتعايش والعدالة. فهل تستمر هذه الشراكة في التطور لتكون أنموذجاً عالمياً للتكاتف والتعاون في مواجهة تحديات عالمنا المعاصر؟











