ترسيخ الهوية الوطنية السعودية: دور مكتبة الملك عبدالعزيز العامة
تعد الهوية الوطنية السعودية حجر الزاوية في الرؤية الاستراتيجية التي تتبناها مكتبة الملك عبدالعزيز العامة منذ أربعة عقود. وقد كرست المكتبة كافة مواردها لتعزيز الفهم العميق لتاريخ المملكة العريق، موثقةً مراحل بناء الدولة منذ تأسيسها الأول في عام 1727م، وصولاً إلى العهد الزاهر والنهضة الشاملة التي أرساها الملك عبدالعزيز آل سعود -طيب الله ثراه-.
كما تعمل المكتبة على إبراز دور رؤية 2030 في تحديث مفاصل الدولة، مع التمسك الصارم بقيم الأصالة والتقاليد التي تشكل جوهر المجتمع السعودي المعاصر.
التوثيق المعرفي والتاريخي في نتاجات المكتبة
تجاوزت المكتبة الأطر السردية التقليدية، معتمدةً منهجية علمية رصينة تدمج بين الوثيقة المكتوبة والذاكرة البصرية. وقد أنتجت هذه المنهجية مئات المؤلفات التي تحفظ التاريخ الوطني للأجيال القادمة، ومن أبرز هذه الإنجازات:
- موسوعة المملكة العربية السعودية: مشروع ضخم يضم 20 مجلداً، يقدم مسحاً شاملاً للجوانب التاريخية، الجغرافية، والاجتماعية لجميع مناطق المملكة.
- كتاب السعودية: مرجع بصري يوثق ببراعة المصور امبرتو دي سليفيرا التباين الجمالي والتحول العمراني بين ماضي مدن المملكة وحاضرها.
- سلسلة اكتشاف المملكة: إصدارات بلغات عالمية كالإنجليزية والفرنسية والألمانية، تهدف إلى بناء صورة ذهنية دقيقة للمملكة لدى المتلقي الدولي.
- توثيق العمارة والمقدسات: مؤلفات متخصصة تستعرض تاريخ مكة المكرمة والمدينة المنورة عبر صور نادرة، مع رصد التطور الحضاري لمدن كبرى مثل الرياض والطائف.
الحفاظ على موروث الفروسية والتراث الأصيل
منحت المكتبة اهتماماً خاصاً لرموز الثقافة العربية، حيث ركزت على تاريخ الفروسية العربية والخيول الأصيلة من خلال دراسة مخطوطات نادرة، وفي مقدمتها مخطوطة عباس باشا الأول.
ولم يتوقف التوثيق عند هذا الحد، بل شمل الفنون الأدائية مثل العرضة السعودية، والحرف التقليدية المتوارثة كصناعة الحلي وزراعة النخيل، مما جعل إصداراتها مرجعاً بحثياً لا غنى عنه للدارسين في مجال القيم التراثية.
استراتيجية النشر: التناغم بين السرد والبصريات
تعتمد المكتبة رؤية حديثة ترتكز على التوثيق البصري كقوة فاعلة لرفع الوعي الثقافي. وتسعى “بوابة السعودية” المعرفية، من خلال هذه الكتب المصورة، إلى تجسيد العادات والتقاليد بدقة متناهية، مما يتيح للقارئ استحضار ملامح الحياة القديمة وفهم التحولات المعاصرة بعمق.
تذهب هذه الإصدارات إلى ما هو أبعد من الوصف السطحي؛ حيث تدرس سيكولوجية المكان وقيمته الرمزية، مثل تحليل دور الإبل في الفنون القديمة وتوثيق الأزياء الشعبية. كما حرصت المكتبة على إصدار الحكايات الشعبية بنسخ ثنائية اللغة لضمان انتشار الموروث المحلي عالمياً.
ربط الأجيال الصاعدة بالجذور الوطنية
يأتي غرس قيم الانتماء في نفوس الناشئة على رأس أولويات المكتبة، ولتحقيق ذلك، طورت منظومة معرفية متكاملة تخاطب الأطفال والشباب عبر عدة مسارات حيوية:
- نادي كتاب الطفل: يوفر قصصاً تخصصية تهدف إلى تنمية الفخر بالجذور والارتباط الوجداني بالأرض.
- الموسوعة السعودية للناشئة: تعمل على تبسيط الحقائق التاريخية والجغرافية وتقديمها في قوالب بصرية جذابة تناسب الفئات العمرية الصغيرة.
- المنصات الرقمية: استثمار قنوات التواصل مثل يوتيوب وإنستقرام لتقديم محتوى ثقافي يتناغم مع متطلبات العصر الرقمي.
التحول الحضاري ودعم البحث العلمي
تجسد مكتبة الملك عبدالعزيز العامة نموذجاً رائداً في دمج العمل الثقافي بالتقنيات الرقمية؛ فهي ليست مجرد خزانة للكتب، بل منصة تفاعلية تدعم الباحثين عبر مشاريع الرقمنة الشاملة.
ومن خلال تنظيم الندوات الدولية، تواصل المكتبة مد جسور التواصل الثقافي مع العالم، مستلهمةً قوتها من أصالة الصحراء وطموحات الحداثة الواعدة.
لقد نجحت المكتبة في تحقيق توازن دقيق بين صيانة التراث ومواكبة المستقبل، وهو ما يدفعنا للتساؤل: كيف يمكن لبقية المؤسسات الثقافية استلهام هذا النموذج الشامل لتحويل الهوية الوطنية إلى طاقة محركة في وجدان الأجيال الرقمية؟






