مركز الأمير سعود الفيصل لأبحاث الحياة الفطرية: صرح بيئي رائد في صون التنوع الأحيائي
تُعدّ صون التنوع الأحيائي وحماية الحياة الفطرية من الركائز الأساسية التي تقوم عليها استدامة البيئة ورفاهية المجتمعات البشرية. وفي سياق الجهود العالمية والمحلية المتواصلة في هذا المضمار، يبرز مركز الأمير سعود الفيصل لأبحاث الحياة الفطرية في المملكة العربية السعودية كصرح علمي وبحثي رائد، ليس فقط في حماية الأنواع المهددة بالانقراض، بل في إعادة توطينها وتعزيز أعدادها ضمن بيئاتها الطبيعية، بالإضافة إلى دوره المحوري في تأسيس وتطوير المحميات الطبيعية. إن قصة هذا المركز تعكس التزامًا عميقًا بصيانة الميراث الطبيعي للمملكة، وتأكيدًا على أن التنمية المستدامة لا يمكن أن تتحقق بمعزل عن حماية مكونات الحياة الفطرية.
النشأة والتطور: رحلة مركز الأمير سعود الفيصل
يقع مركز الأمير سعود الفيصل لأبحاث الحياة الفطرية في موقع استراتيجي بمحافظة الطائف، على مساحة شاسعة تبلغ 35 كيلومترًا مربعًا، ويرتفع 1400 متر فوق سطح البحر، مما يوفر بيئة مثالية لأنشطة البحث والإكثار. تأسس المركز في عام 1406هـ الموافق 1986م، وكان يُعرف آنذاك بالمركز الوطني لأبحاث الحياة الفطرية. وقد حظي بدعم كبير من الأمير سعود الفيصل، وزير الخارجية الأسبق، الذي كان له دور فاعل في رؤية أهمية صون البيئة.
تقديرًا لدوره المحوري وإسهاماته الجليلة، تم تغيير اسم المركز ليحمل اسمه ابتداءً من الأول من محرم 1437هـ، الموافق الرابع عشر من أكتوبر 2015م. ويتبع المركز إداريًا للمركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية، مما يعكس تكامل الجهود الوطنية في هذا المجال الحيوي.
موقع فريد وبيئة طبيعية غنية
يتميز موقع المركز بغطاء نباتي كثيف ومتنوع، يضم أشجارًا مثل الطلح والغاف والسمر، بالإضافة إلى الأعشاب البرية الوفيرة. هذه البيئة الطبيعية الغنية جعلت من المركز ملاذًا آمنًا للعديد من الكائنات الفطرية. وقد ساهم وجود سياج واقٍ يحيط بالموقع في تحويله إلى محمية طبيعية شبه صحراوية نموذجية.
في بداياته، خُصص للمركز 70 هكتارًا كمحمية نباتية خاصة. كان الهدف من ذلك إجراء دراسات مقارنة بين الغطاء النباتي الطبيعي المزدهر داخل حدود المحمية، والغطاء النباتي المتدهور خارجها بفعل الرعي الجائر. هذه الدراسات كانت تهدف إلى فهم آليات استعادة الغطاء النباتي وتعزيزه، وهو ما يمثل نموذجًا لمبادرات ترميم البيئات الطبيعية.
رؤية استراتيجية لأهداف بيئية شاملة
يسعى مركز الأمير سعود الفيصل لأبحاث الحياة الفطرية إلى تحقيق مجموعة من الأهداف الاستراتيجية التي تتجاوز مجرد الحماية لتشمل التنمية المستدامة والوعي المجتمعي. تتلخص هذه الأهداف في عدة محاور رئيسية، تعكس رؤية متكاملة للحفاظ على البيئة الطبيعية للمملكة.
إكثار الأنواع المهددة وإعادة توطينها
يُعدّ إكثار الكائنات الفطرية المحلية التي تواجه خطر الانقراض وإعادة توطينها في بيئاتها الأصلية أحد الأهداف المحورية للمركز. ولا يقتصر الدور على الإطلاق فحسب، بل يتعداه إلى متابعة دقيقة لهذه الكائنات بعد إطلاقها لضمان تكيفها واستمراريتها في البرية. هذا الجهد يتكامل مع أبحاث حقلية تطبيقية تهدف إلى رفع جودة العمل ومراقبة تكاثر الكائنات في بيئاتها الطبيعية.
دراسة النظم البيئية وتعزيز الوعي
تتضمن أهداف المركز دراسة النظم البيئية المتنوعة في البيئات المختلفة بالمملكة. كما يركز على تحفيز الدعم المجتمعي للمحافظة على المكتسبات الوطنية في مجالات الحياة الفطرية من خلال برامج التوعية البيئية. يصب هذا كله في إطار المحافظة على التنوع الأحيائي وحمايته، وصولاً إلى تحقيق استدامة بيئية وتطويرها، وتعظيم الفوائد الاجتماعية والاقتصادية، بما يتماشى بشكل مباشر مع مستهدفات رؤية السعودية 2030 الطموحة.
جهود ميدانية وأنشطة بحثية متقدمة
يضطلع المركز بمجموعة واسعة من الأنشطة الحيوية التي تشكل عماد عمله في صون الحياة الفطرية. هذه الأنشطة لا تقتصر على البحث العلمي فحسب، بل تتجاوزها إلى بناء القدرات وتعزيز الوعي.
برامج الإكثار والحفظ
يواصل المركز جهوده في إكثار وإعادة توطين الكائنات الفطرية المهددة بالانقراض، مستفيدًا من خبراته المتراكمة. كما يركز على بناء وتنمية الكفاءات الوطنية المتخصصة في التعامل مع الكائنات الفطرية، وصون الطبيعة، وحفظ مكوناتها الحيوية. ويشمل ذلك حفظ التنوع البيولوجي النادر وتطوير المناطق المحمية الطبيعية، لضمان استمرارية هذه الكائنات في بيئاتها الأصلية.
الأبحاث الميدانية والتوعية
تُجرى في المركز أبحاث حقلية تطبيقية متقدمة تهدف إلى رفع جودة العمل ومتابعة تكاثر الكائنات في بيئاتها الطبيعية. بالإضافة إلى ذلك، يولي المركز اهتمامًا خاصًا لدراسة النظم البيئية في البيئات المختلفة وتعزيز دور التوعية والتثقيف البيئي على المستويات التعليمية والإعلامية كافة. ويسعى لتحفيز الدعم من شرائح المجتمع كافة للمحافظة على المكتسبات الوطنية في مجالات الحياة الفطرية من خلال نشر الوعي البيئي.
يضم المركز معامل مجهزة بأحدث التقنيات، ومدرجًا خاصًا للطائرات الصغيرة لدعم الأبحاث والمسوحات، إضافة إلى المسيّجات المخصصة لتكاثر الحيوانات الفطرية المهددة بالانقراض تحت الأسر، مما يوفر بيئة آمنة وملائمة لزيادة أعدادها.
إنجازات علمية ومسوحات بيئية رائدة
لقد أسهم مركز الأمير سعود الفيصل في إجراء مسوحات ودراسات علمية شاملة على أنواع فطرية بالغة الأهمية. هذه الدراسات لم تسهم فقط في فهم أعمق لهذه الكائنات، بل كانت حجر الزاوية في برامج إكثارها وإعادة توطينها.
النمر العربي وقضية البابون
من أبرز إنجازات المركز نجاحه في إكثار النمر العربي، الذي يُعد من أندر الحيوانات في شبه الجزيرة العربية. في عام 2008م، حقق المركز إنجازًا لافتًا في إكثار هذا الكائن النادر، ووصلت أعداده تحت الأسر إلى 15 نمرًا قبل أن تنتقل إدارة المشروع إلى الهيئة الملكية لمحافظة العلا. ويُعد هذا النجاح خطوة عملاقة في إنقاذ هذا المفترس الرمزي من الانقراض.
بالإضافة إلى ذلك، أجرى المركز دراسة معمقة حول ظاهرة تزايد أعداد قردة البابون في المناطق الجنوبية الغربية من المملكة، وهي ظاهرة لها أبعاد بيئية واجتماعية معقدة، وقدم المركز عدة حلول مقترحة للتعامل مع هذه المشكلة بفعالية.
برامج إكثار وإعادة توطين رائدة
تتجسد جهود المركز في إعادة التوازن البيئي من خلال برامج إكثار مكثفة لثماني مجموعات من الحيوانات والطيور المصنفة ضمن القوائم الحمراء للاتحاد العالمي لصون الطبيعة (IUCN). تشمل هذه الأنواع: النمر العربي، والمها العربي، والنعام أحمر الرقبة، وطيور الحبارى الآسيوية، وظباء الريم والإدمي، والوعول الجبلية، والوشق (عناق الأرض)، والأرنب البري.
يتم تنفيذ هذه البرامج بعد إجراء دراسات بيئية وجينية دقيقة مرتبطة بكل نوع، ومن ثم توطينها في عدد من المحميات الطبيعية المنتشرة في المملكة. وقد أثمرت هذه الجهود عن نجاحات باهرة، منها إعادة توطين المها العربي والحبارى والنعام في محميات الإمام سعود بن عبدالعزيز الملكية، وعروق بني معارض، وسجا، وأم الرمث. يُعدّ هذا إنجازًا كبيرًا يساهم في استعادة التنوع البيولوجي.
على المستوى العالمي، حقق المركز إنجازًا غير مسبوق بخفض مستوى التهديد في المها العربي أربعة مستويات وفقًا لمقياس الاتحاد العالمي لصون الطبيعة، كما يُعتبر المركز الأول عالميًا في إكثار وإعادة توطين طائر الحبارى الآسيوي في البرية، ما يؤكد مكانته الريادية.
مركز التميز للتنوع الأحيائي: رؤية مستقبلية
في خطوة لتعزيز مكانته كمرجع علمي وبحثي، يضم مركز الأمير سعود الفيصل لأبحاث الحياة الفطرية “مركز التميز للتنوع الأحيائي”، الذي تأسس في عام 1442هـ الموافق 2021م. يهدف هذا المركز إلى تطوير برامج الإكثار وإعادة تأهيل وإطلاق الأحياء الفطرية المهددة بالانقراض في المملكة.
تشمل قائمة الأنواع المستهدفة طيور الحبارى، والوعول الجبلية، والظباء العربية، والمها العربي، وطائر العقعق العسيري، والنعام أحمر الرقبة، والحبرو العربي، والوشق، والذئب العربي. يسعى مركز التميز إلى تعزيز البرنامج الوطني لإطلاق وإعادة توطين هذه الكائنات الفطرية المحلية في المحميات المناسبة في جميع أنحاء المملكة، مما يمثل ركيزة أساسية لمستقبل مشرق للحياة الفطرية في السعودية.
و أخيرا وليس آخرا في نهاية المقال:
إن مركز الأمير سعود الفيصل لأبحاث الحياة الفطرية يمثل ركيزة أساسية في جهود المملكة العربية السعودية الرامية إلى الحفاظ على التنوع الأحيائي وحماية الحياة الفطرية. فمن خلال برامجه المتكاملة وأبحاثه الميدانية الرصينة، يسهم المركز بفعالية في تحقيق الاستدامة البيئية وتعزيز الوعي بأهمية صون الموارد الطبيعية للأجيال القادمة. ويبقى السؤال الحيوي مطروحًا: هل ستستمر هذه الجهود الدؤوبة في تحقيق التوازن البيئي المنشود في ظل التحديات البيئية المتزايدة التي يشهدها العالم اليوم، أم أن هناك حاجة لمزيد من الابتكار والتضافر لمواجهة مستجدات التغير المناخي والضغط البشري؟











