الذكاء الاصطناعي في التحول المؤسسي: رحلة الثقة من العميل صفر
في عالم تتسارع فيه وتيرة التقدم التكنولوجي، ويحتل فيه الذكاء الاصطناعي مكانة مركزية، تسعى المؤسسات والشركات بشكل متواصل إلى إيجاد حلول مبتكرة وموثوقة. تهدف هذه الحلول إلى تعزيز كفاءتها، وتأمين بياناتها، وتبسيط عملياتها المعقدة. ضمن هذا المشهد، برزت شركة IBM بنهج فريد هو “العميل صفر”. تبنت الشركة دور المختبر الأول لتقنياتها، محولة عملياتها الداخلية إلى بيئة اختبار فعلية. هذا الأسلوب لا يقتصر على التحقق من فعالية الحلول، بل يعمل على بناء الثقة مع العملاء، مؤكدًا على متانة وجدوى التقنيات المطروحة في بيئات العمل الحقيقية.
العميل صفر: معيار الابتكار ودافع الإنتاجية
يمثل نهج “العميل صفر” لدى IBM استراتيجية جوهرية تهدف إلى إعادة تشكيل مسار الأعمال. يتم ذلك عبر توظيف محفظتها الشاملة من تقنيات السحابة الهجينة، والذكاء الاصطناعي، وأدوات الأتمتة المتقدمة. تبنت IBM هذا النهج لتكون في طليعة المؤسسات الأكثر إنتاجية عالميًا، وهو هدف حدده رئيسها التنفيذي أرفيند كريشنا. يبرز حل IBM watsonx Orchestrate كمنصة محورية لتطوير ونشر وإدارة وكلاء الذكاء الاصطناعي المسؤولين عن أتمتة العمليات وسير العمل.
أكد أرفيند كريشنا أن هذا التحول يتجاوز مجرد إدخال التقنيات، بل يمثل إعادة هندسة شاملة للعمليات المؤسسية. يتم دمج الذكاء الاصطناعي في أكثر من 70 سير عمل مختلف. تعتمد IBM في هذا المسعى على حلولها المتكاملة في السحابة الهجينة، والأتمتة، والذكاء الاصطناعي، بهدف تحقيق ميزة تنافسية مستدامة. تفخر الشركة باتساع عروضها في الذكاء الاصطناعي، وبنيتها التقنية، وقدراتها الاستشارية، وكل ذلك يتوج بنهجها الرائد القائم على مفهوم “العميل صفر”.
watsonx Orchestrate: محرك التحول المؤسسي
يعمل watsonx Orchestrate كمنصة مركزية تجمع بين كفاءة وكلاء الذكاء الاصطناعي، وفعالية المساعدين الرقميين، ومرونة أدوات البرمجة منخفضة أو معدومة الأكواد. يتيح هذا الدمج المتكامل للمؤسسات بناء ونشر وتوسيع نطاق حلول الأتمتة بسرعة وكفاءة. يتصل الحل بأكثر من 100 تطبيق مؤسسي حيوي، ويأتي مزودًا بمجموعة غنية من وكلاء الذكاء الاصطناعي المتخصصين في مجالات حيوية مثل الموارد البشرية، والمبيعات، والمشتريات، ودعم تكنولوجيا المعلومات. يقلل هذا التكامل حجم الأعمال اليدوية، ويسرع من وتيرة اتخاذ القرارات، ويرفع مستويات الكفاءة التشغيلية عبر أقسام الشركة.
وفقًا لبيانات IBM، حقق هذا الحل مكاسب إنتاجية كبيرة بلغت 4.5 مليارات دولار بحلول نهاية عام 2025. كما وفر 3.9 ملايين ساعة عمل خلال عام 2024. لم تتوقف الفوائد عند هذا الحد، بل شملت خفضًا بنسبة 40% في الميزانية التشغيلية بفضل أدوات مثل AskHR. إضافة إلى ذلك، وفرت الشركة 18 مليون دولار في تكاليف تكنولوجيا المعلومات مع الحفاظ على الدعم المستمر، مما يعكس الأثر الاقتصادي لهذه الحلول.
تنسيق الكفاءة: AskHR وAskIT في صلب العمليات
في المشهد المتغير باستمرار لعالم الأعمال، تكتسب الإدارة الفعالة وسلاسة العمليات أهمية قصوى. لقد أحدثت حلول IBM المبتكرة، AskHR وAskIT، تحولًا في هذه المجالات من خلال تسخير إمكانات الذكاء الاصطناعي.
AskHR: تحسين تجربة الموارد البشرية
يستفيد AskHR من قدرات watsonx Orchestrate لتقديم استجابات دقيقة وفورية لمجموعة واسعة من استفسارات الموارد البشرية. يساهم هذا في تبسيط إدارة العمليات اليومية، وتوفير وقت ثمين للموظفين، وتعزيز بيئة عمل إيجابية، حيث يحصل الموظفون على المعلومات التي يحتاجونها بسرعة ودقة. منذ إطلاقه، ووفقًا لبيانات IBM، حقق AskHR نتائج لافتة. ففي عام 2024، تعامل النظام مع أكثر من 11.5 مليون تفاعل، واحتُوي 94% منها داخل المنصة، مما يعني أن نسبة 6% فقط من الحالات تطلبت تدخلاً من شريك متخصص في الموارد البشرية.
AskIT: حلول تقنية فورية لتعزيز الإنتاجية
أما AskIT، المصمم باستخدام watsonx Orchestrate أيضًا، فيقدم حلولًا فورية للمشكلات التقنية المعقدة. يقلل هذا بشكل كبير من وقت التوقف عن العمل ويضمن الأداء الأمثل للبنية التحتية التقنية، مما يعزز الإنتاجية العامة للشركة. يتعامل AskIT مع 80% من المشكلات التقنية الشائعة، ويغطي أكثر من 200 موضوع دعم بأربعين لغة مختلفة، مما يجعله أداة دعم عالمية متعددة اللغات. بمرور الوقت، مكن التكامل مع watsonx Orchestrate كلاً من AskHR وAskIT من التعلم والتطور المستمر، لتحسين الدقة والاستجابة. تخطط IBM لإضافة وكلاء ماليين لهذا النظام مستقبلًا، لتوسيع هذه الفوائد لتشمل الإدارة المالية، مما يرسخ مكانة الشركة في طليعة حلول المؤسسات المدعومة بالذكاء الاصطناعي.
اختبار الابتكار من الداخل: مشاركة الموظفين وتطوير النماذج اللغوية
لم يقتصر التحول الذي شهدته IBM على الجانب التقني، بل شمل تفعيل المشاركة البشرية على نطاق واسع. أطلقت الشركة تحديات ابتكارية على مستوى المؤسسة لتشجيع الموظفين على اقتراح أفكار تسهم في تبسيط مهامهم اليومية. شارك نحو 170 ألف موظف في تحدي IBM watsonx 2025، والذي هدف إلى منح العاملين تجربة عملية مباشرة مع تقنيات الذكاء الاصطناعي الخاصة بالشركة، مما يضمن تبنيًا وفهمًا عميقًا للتقنيات الجديدة.
تميز نهج IBM أيضًا بالاعتماد على نماذج لغوية صغيرة ومتخصصة، جرى تدريبها على بيانات مؤسسية محددة، بدلاً من النماذج العامة العملاقة. يضمن هذا التوجه دقة أعلى في المخرجات ويقلل بشكل كبير من مخاطر هلوسة الذكاء الاصطناعي. ينتج عنه مخرجات تتوافق تمامًا مع احتياجات الأعمال الدقيقة، مما يعزز الموثوقية والكفاءة في التطبيقات المؤسسية.
الرؤية الأوسع: مستقبل الأتمتة والذكاء الاصطناعي
يشير تقرير معهد IBM لقيمة الأعمال (IBV) المعنون “تنسيق وكلاء الذكاء الاصطناعي لعمليات الأعمال الذكية” إلى تزايد اهتمام التنفيذيين بالأتمتة المعززة بالذكاء الاصطناعي. وفقًا للنتائج، يعتبر 80% من التنفيذيين أتمتة الخدمات المؤسسية أولوية استراتيجية قصوى. ويعتقد 86% أن وكلاء الذكاء الاصطناعي سيجعلون الأتمتة وإعادة تصميم سير العمل أكثر فاعلية بحلول عام 2027. ويتوقع 75% أن ينفذ وكلاء الذكاء الاصطناعي العمليات والمعاملات بشكل ذاتي خلال العامين المقبلين، مما يؤكد على الثقة المتزايدة في قدرات هذه التقنيات.
يتوقع التنفيذيون المشاركون في الدراسة تحسنًا ملموسًا في الأداء الصناعي عالميًا بحلول عام 2026. تشمل هذه التوقعات زيادة بنسبة 24% في دقة التنبؤ المالي، إضافة إلى تحسن بنسبة 35% في إنتاجية الموارد البشرية، وتحسين يفوق 40% في كفاءة المشتريات، وارتفاع يصل إلى 50% في مؤشرات رضا العملاء. تعكس هذه الأرقام الإمكانات التحويلية لالذكاء الاصطناعي في مختلف قطاعات الأعمال.
خارطة طريق للنمو المدعوم بالذكاء الاصطناعي
تُظهر تجربة IBM الرائدة في تطبيق مفهوم “العميل صفر” أن التحول المدفوع بالذكاء الاصطناعي يتجاوز مجرد نشر تقنيات جديدة. بل هو إعادة صياغة جذرية لطريقة عمل المؤسسات وتفاعل الموظفين مع مهامهم اليومية. تقدم قصة نجاح IBM نموذجًا عمليًا ملهمًا للمؤسسات والحكومات التي تسعى إلى استثمار الإمكانات الكاملة لالذكاء الاصطناعي بشكل فعال وموثوق.
بالنسبة للمملكة العربية السعودية، التي تواصل تسريع تنفيذ أجندتها الرقمية، يمثل نموذج IBM دليلًا تطبيقيًا وإطارًا عمليًا قيمًا. يمكن لهذا النموذج أن يدعم مسيرة المملكة نحو عصر جديد من النمو المستدام والابتكار الذي تغذيه قوة الذكاء الاصطناعي، مما يعزز مكانتها كمركز إقليمي وعالمي لالابتكار التكنولوجي.
وأخيرًا وليس آخرًا
لقد كشفت رحلة IBM مع “العميل صفر” عن رؤية معمقة لكيفية بناء الثقة في تقنيات الذكاء الاصطناعي من خلال تطبيقها داخليًا أولاً. هذا النهج لا يضمن فقط جودة الحلول وفعاليتها، بل يرسخ أيضًا فهمًا أعمق للتحديات والفرص التي يقدمها الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع. فهل سيصبح هذا النموذج هو المعيار الذهبي لتبني التقنيات المتقدمة في المستقبل، وكيف ستتطور مفاهيم الثقة والابتكار مع تزايد الاعتماد على الأنظمة الذكية؟











