مستقبل التنقل في المملكة العربية السعودية
أصدرت مجموعة الفطيم ورقة بحثية مهمة بعنوان مستقبل التنقل في المملكة العربية السعودية. تتناول هذه الورقة التحولات الكبرى في قطاع التنقل بالمملكة، وترسم مسارًا واضحًا لتسريع تبني مركبات الطاقة الجديدة وحلول التنقل المتكاملة. يأتي هذا العمل ضمن إطار رؤية السعودية 2030 الطموحة. جرى إعداد الورقة بالتعاون مع شركة البنية التحتية للمركبات الكهربائية (EVIQ)، وRoland Berger، وBuro Happold. اعتمدت الورقة على استطلاع للرأي شمل أكثر من 1000 مستهلك مقيم في المملكة، إضافة إلى جلسة نقاش استضافتها الفطيم بحضور خبراء القطاع.
توجهات المستهلكين نحو التنقل المستقبلي
يكشف استطلاع الرأي الذي أجرته مجموعة الفطيم عن استعداد كبير لدى المستهلكين في المملكة لتبني تقنيات التنقل الجديدة. أفاد 71% من المشاركين بمعرفتهم بتقنيات مركبات الطاقة الجديدة، بينما أبدى 79% رغبتهم في النظر إليها كخيارهم التالي للشراء.
تحديات وعوائق الاعتماد
على الرغم من هذا الاستعداد، لا يزال الاعتماد الفعلي في مراحله الأولى. يقود 85% من المشاركين حاليًا مركبات تعمل بالبنزين أو الديزل، مما يوضح الفجوة بين النية والواقع في السوق. يشير الاستطلاع إلى أن انخفاض تكلفة الامتلاك والتأثير البيئي يمثلان أولويات رئيسية للمستهلكين.
لكن، تبقى القدرة على تحمل التكلفة هي العائق الأكبر، حيث اعتبر 30% من المشاركين سعر الشراء مصدر قلق أساسي. يليه توفر مرافق الشحن بنسبة 19%، ثم مدى القيادة بنسبة 14%. كما أن فترات الشحن الطويلة، والثقة في مدى المركبة، وتوفر قطع الغيار، ومحدودية الإلمام بالتقنيات الحديثة، تحد من وتيرة التبني السريع.
خارطة طريق لتعزيز التنقل المستدام
بناءً على هذه النتائج، تقدم ورقة الفطيم البحثية خارطة طريق لزيادة تبني مركبات الطاقة الجديدة، وتهدف إلى بناء منظومة تنقل أكثر نظافة وذكاء ومرونة. يتسق هذا التوجه مع الأهداف الاستراتيجية لرؤية السعودية 2030، التي تسعى لتطوير المدن وتنويع القاعدة الصناعية، مع اعتبار قطاع التنقل محركًا رئيسيًا للإنتاجية وتحسين جودة الحياة.
تشير الورقة إلى أن التقدم قد يتباطأ إذا استمر تطور كهربة النقل، والبنية التحتية للشحن، ووسائل النقل العام بشكل منفصل. هذا يؤكد ضرورة التخطيط المتكامل وتنسيق الجهود على مستوى المنظومة بأكملها لتحقيق الأهداف المنشودة في مستقبل التنقل في المملكة العربية السعودية.
رؤى من قادة القطاع
أكد جيروم سايجوت، المدير الإداري لشركة BYD السعودية، الفطيم، أن المملكة حددت مسارًا واضحًا لمستقبل التنقل من خلال رؤية السعودية 2030. شدد على أهمية ربط عناصر المنظومة، مثل المركبات والبنية التحتية للشحن ووعي المستهلك وخدمات ما بعد البيع، لبناء الثقة وتمكين الاعتماد الواسع لمركبات الطاقة الجديدة.
من جانبه، أوضح عمر مظهر الله، الرئيس التنفيذي للإداريين في EVIQ، أن البنية التحتية الوطنية لشحن المركبات الكهربائية أساسية لتمكين تحول المملكة نحو المركبات الكهربائية. كما أكد على أهمية ثقة المستهلك والدعم التنظيمي لمواءمة نشر البنية التحتية مع النمو الحضري لضمان استدامة هذا التحول.
أشار أرفيند سي جيه، الشريك في Roland Berger، إلى توفر المقومات الأساسية لاعتماد واسع لمركبات الطاقة الجديدة، خاصة مع توجه قطاع السيارات نحو التوطين والتقدم التكنولوجي. وأبرز أن التحدي يكمن في التنفيذ الفعال، لضمان توازي القدرة على تحمل التكلفة، وتسريع تطوير البنية التحتية، وتعزيز جهود التوطين.
وقال جون غيليسبي، مدير قسم النقل والتنقل في Buro Happold، إن نظام تنقل مستقبلي يتطلب تخطيطًا متكاملًا يربط البنية التحتية للشحن، وقدرات الطاقة، واستخدامات الأراضي، وسلوكيات المستخدمين، ووسائل النقل العام. أكد على أهمية التصميم الذي يراعي الموثوقية وسهولة الوصول وقابلية التوسع لدعم طموحات المملكة.
المحاور الرئيسية لقطاع التنقل
يبرز الاستطلاع وجلسات النقاش ثلاثة محاور أساسية:
- تغير طلب المستهلكين: يعيد المستهلكون في المملكة تشكيل طلبهم على حلول التنقل، مع تزايد الاهتمام بمركبات الطاقة الجديدة، والخدمات الرقمية، ونماذج الملكية المرنة.
- الابتكار في البنية التحتية: تساهم الابتكارات في شبكات الشحن، والبنية التحتية الذكية، والمنصات المتصلة في بناء أنظمة نقل أكثر أمانًا وكفاءة.
- التخطيط الحضري المتكامل: مع توسع المدن وزيادة الأنشطة اللوجستية، يصبح التخطيط المتكامل ضرورة لتقليل الازدحام، وتحسين جودة الهواء، ودعم البيئات الحضرية عالية الأداء.
تؤكد هذه المحاور مجتمعة أن توسيع نطاق تبني مركبات الطاقة الجديدة يتطلب تقدمًا منسقًا في مجالات القدرة على تحمل التكلفة، وتوطين القدرات، وجاهزية البنية التحتية، وثقة المستهلك.
أهمية توطين القدرات وتطوير البنية التحتية
توضح الورقة البحثية أن تحسين القدرة على تحمل تكلفة المركبات وحده لن يكفي لسد فجوة الاعتماد. فبينما تسهم توقعات انخفاض تكاليف البطاريات وزيادة المنافسة في خفض الأسعار، يتوقف توسع اعتماد مركبات الطاقة الجديدة أيضًا على توفر بنية تحتية موثوقة للشحن، وشفافية أكبر في التسعير، وشبكات قوية لخدمات ما بعد البيع، وجهود توعية مستمرة للمستهلكين.
يعتبر توطين القدرات عاملاً حاسمًا للنجاح. يمكن لتعزيز إمكانات التصنيع المحلي، وسلاسل الإمداد، والمهارات التقنية أن يحسن القدرة على تحمل التكلفة ويزيد المرونة، مما يدعم الأهداف الصناعية لرؤية السعودية 2030.
تعد البنية التحتية للشحن مكونًا أساسيًا لتمكين اعتماد مركبات الطاقة الجديدة. تشير الورقة إلى التوسع المستمر في شبكات الشحن داخل المدن الكبرى وعلى طول الطرق الرئيسية. كما تؤكد على أهمية إدارة الانتقال إلى الشحن العام المدفوع بطريقة تحافظ على ثقة المستخدمين. تسلط الورقة الضوء أيضًا على تقنيات الشحن فائق السرعة كتحول محتمل، بشرط تنسيق نشرها ضمن إطار وطني متكامل.
سيناريوهات مستقبل التنقل في المملكة العربية السعودية
تستعرض الورقة ثلاثة سيناريوهات محتملة لتطور اعتماد مركبات الطاقة الجديدة في المملكة، بناءً على وتيرة توطين القدرات، وتوسع البنية التحتية، وتوافق السياسات:
- الانطلاقة المتسارعة: يتوسع التصنيع المحلي بسرعة مدعومًا بالإنتاج التنافسي، وانخفاض تكاليف البطاريات، ونماذج الملكية المبتكرة مثل التأجير أو الاشتراك. تمتد البنية التحتية للشحن عبر المناطق الحضرية وشبه الحضرية، مما يدفع إلى اعتماد واسع النطاق.
- الاعتماد الحذر: تنمو البنية التحتية بوتيرة مستقرة، ويزداد وعي الجمهور، لكن القدرة على تحمل التكلفة تظل عاملًا مقيدًا. يتقدم الاعتماد تدريجيًا بقيادة المستخدمين الأوائل ومشغلي الأساطيل، ويعتمد التوسع على مزيد من خفض التكاليف وتوفير نماذج تمويل مرنة.
- تباطؤ الزخم: تؤدي التأخيرات التنظيمية، أو بطء توطين القدرات، أو قيود سلاسل الإمداد إلى الحد من خفض الأسعار وتوسع البنية التحتية. يبقى اعتماد المركبات محصورًا في قطاعات محددة، مما يجعل الإقبال أقل من الطموحات الوطنية.
تؤكد الورقة البحثية، في جميع السيناريوهات، أن العمل المنسق هو العامل الحاسم. إن مواءمة السياسات، ونشر البنية التحتية، وتوطين قدرات التصنيع، والتفاعل مع المستهلكين ستحدد مدى تحول الطموحات إلى اعتماد واسع النطاق.
وأخيرًا وليس آخرًا: نحو آفاق جديدة في التنقل
تشير ورقة مستقبل التنقل في المملكة العربية السعودية إلى أن التعاون بين الجهات الحكومية والقطاع الخاص وشركات النقل ضروري لتسريع تبني مركبات الطاقة الجديدة. من خلال تنسيق الاستثمارات والابتكار وتطوير المدن، يمكن للمملكة أن تبني منظومة تنقل مستدامة وقادرة على المنافسة عالميًا. يبقى السؤال: كيف يمكن للمملكة، بفضل هذا التخطيط الشامل، أن تحول تحديات اليوم إلى فرص رائدة لتشكيل مستقبل التنقل ليس فقط على المستوى المحلي بل كنموذج عالمي يحتذى به؟











