رائد في الشؤون البحرية: مسيرة هتان عبدالكريم علي تمراز وعطاءاته
تُعدّ الشخصيات الوطنية ذات الخبرة العميقة في مجالات تخصصها ركائز أساسية في بناء وتطوير المجتمعات. وفي سياق الثروة البحرية للمملكة العربية السعودية، يبرز اسم الدكتور هتان عبدالكريم علي تمراز كنموذج بارز للعطاء والتميز. لقد جسدت مسيرته المهنية والأكاديمية، التي امتدت لعقود قبل عام 1447هـ (2025م)، نموذجًا فريدًا في خدمة القطاع البحري، سواء من خلال مهامه الأكاديمية أو مساهماته التشريعية والبحثية. هذه الرحلة الطويلة لم تكن مجرد تدرج وظيفي، بل كانت تعكس رؤية تحليلية متعمقة وإسهامات فاعلة في مجالات حيوية كالقانون البحري الدولي وسلامة البيئة البحرية، مما يعزز مكانة المملكة إقليمياً ودولياً في هذا المجال.
الخلفية الأكاديمية: بناء الأساس المعرفي
شكلت المؤهلات العلمية للدكتور هتان تمراز حجر الزاوية في بناء خبراته المتخصصة. فبعد حصوله على شهادة البكالوريوس في إدارة وتشغيل السفن التجارية من جامعة سولنت بالمملكة المتحدة عام 1424هـ (2003م)، والتي كانت تُعرف آنذاك بجامعة ساوثهامبتون سولنت، عزز معرفته العملية بحصوله على شهادة ضابط بحري ثاني من حرس الحدود البريطاني عام 1425هـ (2004م).
تلا ذلك تخصص أعمق في الجوانب القانونية، حيث نال درجة الماجستير في القانون التجاري والقانون البحري من جامعة سوانزي البريطانية عام 1429هـ (2008م). وفي الجامعة ذاتها، أكمل مسيرته الأكاديمية بالحصول على درجة الدكتوراه في القانون البحري الدولي عام 1435هـ (2014م). وقد ركز مشروعه البحثي للدكتوراه على جانب بالغ الأهمية، وهو تطبيق المعاهدات الدولية البحرية المعنية بالسلامة وحماية البيئة البحرية، مما يعكس اهتماماً مبكراً بقضايا البيئة البحرية والسلامة الملاحية.
مسيرة مهنية حافلة بالمهام القيادية
لم تقتصر مسيرة الدكتور هتان تمراز على الجانب الأكاديمي فحسب، بل امتدت لتشمل أدوارًا عملية وقيادية متعددة، عكست التنوع في خبراته وتوجهاته. بدأ حياته العملية في شركة فيلا العالمية البحرية المحدودة، حيث تولى مسؤوليات ضابط نوبة وقبطان ضابط نوبة خلال الأعوام 1425هـ (2004م) إلى 1426هـ (2006م). هذه التجربة الميدانية صقلت فهمه لتعقيدات العمل البحري وتشغيل السفن.
بعد ذلك، اتجه إلى قطاع البنوك لفترة وجيزة، حيث عمل مديرًا مساعدًا في إدارة المشاريع الخاصة ببنك الجزيرة عام 1426هـ (2006م). وفي العام نفسه، عاد إلى المجال الأكاديمي ليعمل معيدًا في كلية الدراسات البحرية بجامعة الملك عبدالعزيز. شكل هذا التحول بداية لمسار أكاديمي وإداري متميز داخل الجامعة.
الأدوار الإدارية والأكاديمية في جامعة الملك عبدالعزيز
تدرج الدكتور تمراز في المناصب الإدارية والأكاديمية بكلية الدراسات البحرية، مما يعكس الثقة في قدراته وقيادته. شغل منصب وكيل الكلية، المشرف العام على الشؤون التعليمية عام 1437هـ (2015م)، وكُلّف بمنصب وكيل الكلية للدراسات العليا والبحث العلمي، وأمين مجلس الكلية عام 1437هـ (2016م).
وفي خطوة مهمة، تولى عمادة كلية الدراسات البحرية في فبراير من العام التالي، ليقود الكلية في مرحلة حيوية. كما اضطلع بمهام المشرف العام على سفينة الأبحاث (العزيزي) وإدارة وتشغيل الأسطول البحري التابع لجامعة الملك عبدالعزيز عام 1442هـ (2020م)، مؤكداً بذلك التزامه بالجانب التطبيقي والبحثي في العلوم البحرية.
إسهاماته في المؤتمرات والمنتديات الدولية
كان للدكتور هتان تمراز حضور لافت في المحافل العلمية والمهنية الدولية، مما عكس اهتمامه بتبادل الخبرات وتطوير الشؤون البحرية عالميًا. شارك في مؤتمرات وندوات متعددة، منها مؤتمر جمعية علماء القانون في المملكة المتحدة عام 1430هـ (2012م)، وندوة أنظمة النقل البحري المستدامة في لندن عام 1431هـ (2013م).
كما كان متحدثًا رئيسًا في المؤتمر الأول والثاني والثالث للأكاديميات البحرية العربية في دبي بالأعوام 1436هـ (2015م)، 1437هـ (2016م)، و1438هـ (2017م). هذا الحضور العربي والدولي عزز مكانة المملكة في مجال التعليم والتدريب البحري. ومثل المملكة في منتدى طريق الحرير بالصين عام 1438هـ (2017م)، واجتماع المنظمة البحرية الدولية عامي 1438هـ (2017م) و1439هـ (2018م)، وشارك متحدثًا رئيسًا في المؤتمر السعودي البحري الثاني عام 1440هـ (2019م). هذه المشاركات لم تكن مجرد حضور، بل كانت تعكس دوراً فاعلاً في صياغة الرؤى والمستقبل لقطاع النقل البحري والموانئ.
عضويات فاعلة في مجالس ولجان متخصصة
امتدت إسهامات الدكتور هتان تمراز لتشمل عضويات نوعية في العديد من المجالس واللجان المتخصصة، مما يؤكد دوره المحوري في صنع القرار ووضع المعايير. حصل على عضويات في جمعية فقهاء القانون (Society of Legal Scholars) والمعهد البحري (The Nautical Institute) عام 1428هـ (2007م)، مما يعكس ارتباطه الوثيق بالمؤسسات القانونية والمهنية البحرية.
كما شغل عضويات في اللجنة الدائمة للقبول والتسجيل، واللجنة الدائمة للنشاط الطلابي خلال الأعوام 1437هـ (2016م) إلى 1439هـ (2018م). وكان عضواً ضمن فريق تنفيذ مبادرات وزارة النقل (التي تُعرف حالياً بوزارة النقل والخدمات اللوجستية) ووزارة التعليم، بالإضافة إلى عمله ضمن لجنة التدقيق الإلزامي لتحديد مستوى السعودية في تنفيذ متطلبات الاتفاقيات البحرية في 1439-1440هـ (2018-2019م). وتولى رئاسة الفريق الفني للنقل البحري في الهيئة السعودية للمواصفات والمقاييس والجودة، مما يوضح تأثيره المباشر في تطوير التشريعات والمعايير الوطنية المتعلقة بالنقل البحري والتشريعات البحرية.
عضويته في مجلس الشورى: إسهام تشريعي
توجت مسيرة الدكتور هتان تمراز بتعيينه عضواً في مجلس الشورى بتاريخ 3 ربيع الأول 1442هـ (20 أكتوبر 2020م)، وهي فترة مهمة شهدت استمرارية في تحديث العديد من الأنظمة والتشريعات الوطنية. انتهت عضويته في 29 صفر 1446هـ (2 سبتمبر 2024م)، وخلال هذه الفترة، كان له دور بارز في اللجان المتخصصة بالمجلس.
كان عضواً في لجنة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات، ولجنة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، مما يبرز مساهمته في صياغة السياسات والقوانين التي تخدم هذين القطاعين الحيويين. كما كان عضواً في لجنة الصداقة البرلمانية الأولى، التي ضمت برلمانات ومجالس دول متعددة، مما عزز من دور المملكة في الدبلوماسية البرلمانية وتبادل الخبرات التشريعية على الصعيد الدولي، خاصة في قضايا ذات صلة بالقانون الدولي والاتفاقيات الدولية.
تكريمات وجوائز: تقدير لمسيرة من الإنجازات
نال الدكتور هتان تمراز العديد من الجوائز والتكريمات التي تعكس التقدير لمسيرته الحافلة بالإنجازات والعطاء. من بين هذه الجوائز جائزتا الخدمة المتميزة والأداء الذهبي من بنك الجزيرة. كما حظي بتكريم من مدينة ومقاطعة سوانزي، تقديرًا لمساهماته خلال فترة دراسته وعمله هناك.
إضافة إلى ذلك، نال جائزة عضو جمعية اتحاد طلبة متميز، وجائزة اتحاد الطلبة التقديرية، وحصل على عضوية فخرية مدى الحياة لاتحاد طلبة جامعة سوانزي. هذه التكريمات، وإن كانت تعود لسنوات سابقة، إلا أنها تعكس التقدير المبكر لمجهوداته العلمية والأكاديمية والمهنية، وتؤكد على بصمته الواضحة في كل محفل انتمى إليه.
و أخيرا وليس آخرا
تُجسد مسيرة الدكتور هتان عبدالكريم علي تمراز أنموذجًا يحتذى به في التزام الأكاديمي والمسؤول الوطني تجاه وطنه وتخصصه. فمن أعماق البحار كضابط على متن السفن، إلى أروقة الجامعات كعميد، وصولاً إلى قبة مجلس الشورى كعضو فاعل، كانت كل محطة في رحلته إضافة نوعية. لقد أثرى بفكره وخبراته مجالات حيوية مثل الشؤون البحرية الدولية، والقانون البحري الدولي، وحماية البيئة البحرية، وسلامة الملاحة، وغيرها من قضايا النقل البحري، مساهماً بذلك في تطوير البنية التشريعية والتنظيمية للمملكة. كيف يمكن للمملكة العربية السعودية الاستفادة من هذه الخبرات التراكمية في بناء أجيال جديدة قادرة على قيادة مستقبلها البحري في ظل التحديات والمتغيرات العالمية الراهنة؟ هذا التساؤل يظل مفتوحاً نحو رؤية مستقبلية تعزز الريادة الوطنية.











