الدكتورة عائشة زكري: مسيرة علمية وقيادية بارزة في قلب المملكة العربية السعودية
تزخر سجلات التاريخ الحديث للمملكة العربية السعودية بالعديد من الشخصيات النسائية الملهمة اللواتي ساهمن بفاعلية في دفع عجلة التنمية والتقدم على مختلف الأصعدة. وتأتي الدكتورة عائشة حسن أحمد زكري لتكون إحدى هذه النماذج المضيئة، إذ لم تقتصر مسيرتها على التميز الأكاديمي والبحث العلمي في حقل الرياضيات البحتة، بل امتد تأثيرها ليشمل الأدوار القيادية والإدارية في الصروح التعليمية، وصولًا إلى مقعد العضوية في مجلس الشورى. تُعد هذه المسيرة شهادة حية على الطموح السعودي المتجذر لتمكين المرأة، وتأكيدًا على دورها المحوري في صياغة المستقبل، وتحديداً في فترات شهدت فيها المملكة تحولات نوعية على صعيد مشاركة المرأة في الحياة العامة.
النشأة والمسار التعليمي: جذور التميز الأكاديمي
وُلدت الدكتورة عائشة زكري في محافظة ضمد بمنطقة جازان عام 1393هـ الموافق لعام 1973م. كانت بداياتها التعليمية حافلة بالإنجاز، حيث حصلت على درجة البكالوريوس في تخصص الرياضيات من جامعة الملك خالد بأبها في عام 1415هـ (1994م). لم تتوقف طموحاتها عند هذا الحد، بل واصلت رحلتها الأكاديمية إلى مدينة جدة.
في جامعة الملك عبدالعزيز، تعمقت الدكتورة زكري في دراسة الرياضيات البحتة بتخصص “توبولوجي”، لتحصل على درجة الماجستير في عام 1421هـ (2000م). واستمر شغفها بالعلم يدفعها نحو المزيد من التحصيل الأكاديمي، فنالت درجة الدكتوراه في الفلسفة في العلوم – تخصص الرياضيات (توبولوجي) من الجامعة ذاتها عام 1426هـ (2005م)، ما رسّخ مكانتها كباحثة متميزة في مجالها. وفي خطوة لتعزيز مهاراتها وتوسيع آفاقها، درست اللغة الإنجليزية في عام 1440هـ (2019م) بالولايات المتحدة الأمريكية.
محطات بارزة في الحياة العملية: من الأكاديمية إلى القيادة
تجسدت رؤية المملكة لتمكين المرأة في المناصب القيادية من خلال مسيرة الدكتورة عائشة زكري المهنية. بدأت رحلتها الإدارية في جامعة جازان، حيث شغلت منصب وكيلة الكلية العلمية للطالبات من عام 1422هـ (2001م) وحتى عام 1423هـ (2002م). هذه التجربة المبكرة أهلتها لتولي منصب أرفع.
شهدت الفترة من 1424هـ (2003م) إلى 1437هـ (2016م) توليها عمادة الكلية العلمية للطالبات، وهي فترة حافلة بالإنجازات الإدارية والأكاديمية. كما أشرفت على إدارة المجمع الأكاديمي للطالبات في جازان لمدة عامين بدءًا من عام 1437هـ (2016م). ولم تلبث أن تبوأت منصب مساعدة وكيل الجامعة للشؤون الأكاديمية بشطر الطالبات في العام ذاته، ثم وكيلة لشؤون الطالبات بجامعة جازان بدءًا من عام 1439هـ (2018م).
تكللت هذه المسيرة الحافلة بالإنجازات الأكاديمية والإدارية بصدور الأمر الملكي بتعيينها عضوًا في مجلس الشورى السعودي بتاريخ 3 ربيع الأول 1442هـ الموافق 20 أكتوبر 2020م، لتبدأ فصلاً جديدًا من العطاء في خدمة الوطن.
إسهامات بحثية ومشاركات علمية: أثر ممتد
لم يقتصر دور الدكتورة عائشة زكري على الجانب الإداري والتعليمي فحسب، بل امتد ليلامس صميم البحث العلمي والمشاركات المجتمعية. لقد شاركت في العديد من المؤتمرات واللقاءات داخل المملكة وخارجها، مما يعكس حرصها على التفاعل مع المستجدات العلمية وتبادل الخبرات.
من أبرز مشاركاتها حضور المؤتمر والمعرض التقني السعودي الرابع بالرياض عام 1427هـ (2006م)، ومشاركتها في ندوة المسيرة العلمية للمرأة السعودية بجامعة الأميرة نورة بنت عبدالرحمن في الرياض عام 1432هـ (2011م). كما كانت فاعلة في الملتقى الأول للعنف الأسري الذي نظمته هيئة حقوق الإنسان بأبها عام 1435هـ (2014م).
في عام 1441هـ (2020م)، ترأست الدكتورة زكري الجلسة الثالثة في ملتقى تمكين المرأة البحث العلمي، الذي أشرفت عليه جامعة أم القرى، وتناولت الجلسة موضوع الكراسي البحثية النسائية ودورها في قضايا البحث العلمي.
أبحاث وجوائز تقديرية
قدمت الدكتورة عائشة زكري بحثًا علميًا بعنوان “Generalized Closed Fuzzy Sets: A Unified Approach” في المؤتمر الأول لبحوث الرسائل الجامعية بعمّان بالجامعة الأردنية عام 1429هـ (2008م)، والذي حاز على جائزة البحث الفائز. كما شاركت بأبحاث في مؤتمرات دولية أخرى، مثل المؤتمر الدولي السادس للرياضيات والإحصاء وتطبيقاتها في ماليزيا عام 2010م، والمؤتمر الدولي للرياضيات والعلوم الإحصائية في سويسرا عام 1433هـ (2012م)، ومؤتمر الرياضيات الخامس في جامعة الإمارات العربية المتحدة عام 1437هـ (2016م) ببحث “On soft weak structure”. وتولت رئاسة فريق مشروع وثيقة مواصفات خريج ومخرجات تعلم طلبة جامعة جازان التي اعتُمدت عام 1441هـ (2020م).
الإنتاج العلمي: إثراء للمكتبة المعرفية
تُعد الدكتورة عائشة زكري من الأكاديميين ذوي الإنتاج العلمي الغزير والمتنوع، فقد أسهمت بفاعلية في إثراء المكتبة المعرفية من خلال كتبها ودراساتها وأبحاثها المنشورة وقيد النشر. تتناول أعمالها مجالات عدة، أبرزها الرياضيات البحتة وتطبيقاتها، بالإضافة إلى أبحاث متخصصة في أمن المعلومات وحماية الخصوصية.
لم يقتصر دورها على التأليف والبحث، بل تعداه إلى الإسهام في تقييم العمل الأكاديمي، حيث شاركت في مناقشة وتحكيم العديد من الرسائل الجامعية ومشاريع التخرج. كما قامت بتحكيم أبحاث في مؤتمرات طلابية، وأخرى مقدمة للحصول على ترقيات علمية، فضلاً عن تحكيم كتب تخصصية لجامعات سعودية وأبحاث مرسلة لمجلات عالمية محكمة، مما يؤكد مكانتها كمرجع علمي موثوق. وقد حصلت على منح بحثية لإعداد وتصميم برامج علمية متخصصة.
عضوية مجلس الشورى: صوت الخبرة والكفاءة
تُوجت مسيرة الدكتورة عائشة زكري بتعيينها عضوًا في مجلس الشورى السعودي بأمر ملكي، بدءًا من 3 ربيع الأول 1442هـ (20 أكتوبر 2020م). هذا التعيين يمثل إضافة نوعية للمجلس، ويعكس تقدير القيادة للكفاءات الوطنية النسائية وقدرتها على المشاركة الفاعلة في صنع القرار.
خلال عضويتها في المجلس، تولت الدكتورة زكري رئاسة لجنة التعليم والبحث العلمي، وهو الدور الذي يتناغم مع خلفيتها الأكاديمية والبحثية، ويسمح لها بالمساهمة في تطوير السياسات التعليمية والبحثية بالمملكة. كما أنها عضو في لجنة الصداقة البرلمانية السعودية الإسبانية، ما يبرز دورها في تعزيز العلاقات الدولية للمملكة.
جوائز وتكريمات: حصاد التميز
نالت الدكتورة عائشة زكري العديد من الجوائز والتكريمات التي تعكس تميزها وتفوقها في مختلف مراحل حياتها الأكاديمية والمهنية. حصلت على جائزة أمير منطقة جازان الأمير محمد بن ناصر بن عبدالعزيز للتفوق العلمي في فرع الأداء المتميز خلال عامي 1427-1428هـ (2008م)، والتي تعد تقديرًا لمسيرتها وجهودها.
كما حصلت على جائزة البحث الفائز في المؤتمر الأول لبحوث الرسائل الجامعية بالجامعة الأردنية عام 1429هـ (2008م). وفي عام 1436-1437هـ (2006م)، نالت جائزة التميز في النشاط الطلابي للكلية العلمية للطالبات بجامعة جازان. ولم تكن هذه الجوائز الوحيدة، فقد سبق لها الحصول على جائزة الطالبة المثالية والتفوق العلمي في مرحلة البكالوريوس من جامعة الملك خالد، بالإضافة إلى العديد من شهادات التفوق الدراسي خلال مرحلة التعليم العام وشهادات الشكر والتقدير التي وثقت رحلة تميزها منذ الصغر.
و أخيرا وليس آخرا
تُعد مسيرة الدكتورة عائشة حسن أحمد زكري نموذجًا يحتذى به للمرأة السعودية الطموحة، التي استطاعت بجهدها وعلمها أن تتبوأ مكانة مرموقة على الصعيد الأكاديمي والقيادي والبرلماني. إن إسهاماتها المتنوعة في جامعة جازان، ومن ثم في مجلس الشورى السعودي، لم تكن مجرد محطات في حياتها المهنية، بل كانت بصمات واضحة تعكس التزامها بخدمة وطنها ومجتمعها. فمن خلال رئاستها للجان المتخصصة في المجلس، تستمر في تقديم رؤى تحليلية عميقة تساهم في صياغة مستقبل التعليم والبحث العلمي في المملكة، لتؤكد أن التميز لا يعرف حدودًا. فإلى أي مدى ستستمر هذه النماذج الوطنية في إلهام الأجيال القادمة نحو مزيد من العطاء والتميز؟











