نظارات الواقع المعزز سناب سبيكتاكلز: رؤية إيفان سبيغل لمستقبل الحوسبة المتنقلة
في عالم تتسارع فيه وتيرة التطور التكنولوجي، ويُعاد تعريف حدود التفاعل البشري مع الأجهزة الذكية، تبرز رؤى قيادية تحاول استشراف المسارات المستقبلية للحوسبة. لطالما كان الواقع المعزز وتقنياته المتقدمة محور اهتمام عمالقة الصناعة، لكن القليل منهم من يمتلك الجرأة ليتحدى القواعد السائدة ويقدم منظوراً مختلفاً. يرى إيفان سبيغل، المؤسس الشريك والرئيس التنفيذي لشركة سناب، مستقبلاً يتجاوز شاشات الهواتف الذكية المألوفة، مستقبلاً تندمج فيه الطبقات الرقمية بسلاسة مع واقعنا المادي عبر نظارات الواقع المعزز. هذه النظارات، وتحديداً نظارات سناب سبيكتاكلز، لا تمثل مجرد أداة عرض تقنية، بل تجسد فلسفة عميقة حول كيفية إعادة ربط البشر بالعالم من حولهم، بعيداً عن الانغماس الكلي في الشاشات الفردية.
شغف طويل الأمد بالأجهزة القابلة للارتداء والواقع المعزز
في لقاء يعود إلى فترة سابقة، كان إيفان سبيغل، مرتدياً أحدث إصدارات نظارات سناب سبيكتاكلز، على وشك أن يقدم عرضاً لتطبيق بسيط يحاكي لعبة شطرنج. لكن شغفه المتأصل بالتجارب التفاعلية دفعه لتحدٍ آخر: نسخة متطورة من لعبة “أمسك العلم” ضمن بيئة الواقع المعزز. كانت هذه التجربة تتجاوز مجرد العرض التوضيحي، إذ أظهرت قدرة النظارات على إحياء عناصر رقمية ثلاثية الأبعاد، مثل الأعلام الافتراضية والأزرار غير المرئية التي يتم التفاعل معها بحركات اليد في الهواء، محوّلة المساحات المادية إلى ساحات لعب ديناميكية.
عثرات البدايات وتحديات التقنية
لم تخلُ التجربة، التي جرت في أجواء حارة من شهر فبراير، من بعض التحديات التقنية، حيث واجهت النظارات صعوبات في الاتصال بالإنترنت. هذه العقبات، على الرغم من كونها جزءاً طبيعياً من مسار تطوير أي تقنية رائدة، لم تثنِ سبيغل عن المضي قدماً. انتقل سبيغل بسلاسة إلى تطبيقات أخرى لا تزال قيد التطوير، والمعروفة باسم “لينسيز” أو العدسات. من بين هذه العدسات، كانت هناك واحدة تأخذ المستخدم في رحلة إلى قرية تعود إلى العصور الوسطى، وأخرى من إنتاج استوديو نيانتيك، المطور الشهير للعبة “بوكيمون غو”، والتي تتيح للمستخدمين إطعام حيوانات أليفة كرتونية. هذه التجارب، على الرغم من بعض المشكلات التقنية، كشفت عن إمكانات بصرية مذهلة وتطلعات واسعة لدمج العالم الرقمي بالواقع.
لقد لفتت هذه التجارب الغريبة أنظار المارة، حيث بدوا متعجبين من رجلين يرتديان نظارات الواقع المعزز ويحركان أيديهما في الهواء. هذه المشاهد تعكس الفجوة بين التقنية الطموحة والقبول المجتمعي الأولي، وهي فجوة لطالما واجهتها الابتكارات الجذرية في مراحلها الأولى.
تحولات سناب تشات ورؤية سبيغل لمستقبل الحوسبة
تعتبر منصة سناب تشات، التي انطلقت عام 2011، رائدة في ابتكارات التواصل الاجتماعي، وتجذب حالياً ما يقارب 850 مليون مستخدم نشط شهرياً. هذه الشعبية تمنح الشركة استقراراً كافياً لتركيز سبيغل على رؤيته الطويلة الأمد. فبعيداً عن مجرد التنافس على استقطاب مستخدمي الجيل زد وتحسين عائدات الإعلانات، يرى سبيغل أن الواقع المعزز والأجهزة القابلة للارتداء تمثل الجيل التالي من الحوسبة المتنقلة. يؤمن سبيغل بأنه وجد نقطة توازن مثالية في السوق بين الأجهزة الأقل تكلفة مثل نظارات راي بان ميتا والأكثر تعقيداً مثل نظارات فيجن برو من أبل باهظة الثمن.
إعادة التواصل: الفلسفة الكامنة وراء سبيكتاكلز
يحمل سبيغل رؤية فلسفية حول كيفية تحسين التفاعل البشري من خلال الواقع المعزز. فهو يعتقد أن ارتداء الشاشات على الوجه يمكن أن يعيد الناس إلى الحياة الحقيقية، محرراً إياهم من الحاجة المستمرة للتحديق في هواتفهم. خلال التجول في الحديقة، يتضح هذا المفهوم جلياً بملاحظة الأشخاص المنهمكين في شاشاتهم بينما تفوتهم تفاصيل العالم من حولهم.
يقول سبيغل: “هكذا تتحول الحوسبة من ممارسة فردية إلى تجربة مشتركة… بدل أن ينحني الناس ليركزوا على شاشات صغيرة في الحديقة، يمكنهم رفع رؤوسهم والنظر إلى السماء والوقوف والاستمتاع بالعالم من حولهم.”
تأخذ هذه المهمة بعداً شخصياً لسبيغل، كأب لأربعة أطفال، حيث يلاحظ كيف ينغمس أبناؤه وأصدقاؤهم في شاشات هواتفهم وأجهزة الكمبيوتر المحمولة. يأمل سبيغل أن تشجع نظارات الواقع المعزز الأولاد على التفاعل فيما بينهم ومع بيئتهم المادية، بتحويل اللعب الخارجي إلى تجربة غنية بالطبقات الرقمية، بدلاً من استبدالها. هذه الرؤية تعكس طموحاً لتوجيه الأجيال الجديدة نحو استخدام التقنية كأداة لإثراء الواقع، لا كبديل عنه.
رحلة تطوير سبيكتاكلز: إصرار يتجاوز العثرات
نظارات سناب سبيكتاكلز لم تكن وليدة اليوم؛ فقد طُرحت نسختها الأولى في عام 2016، في زمن كان سبيغل لا يزال في ريعان شبابه. كانت النظارات الأولى مصممة لتكون مرحة وغريبة، بلونها الزاهي وعدسة الكاميرا الكبيرة، بهدف التقاط مقاطع فيديو قصيرة ومشاركتها مباشرة على سناب تشات. كان هذا التصميم يمثل تحدياً واضحاً لنظارات جوجل غلاس، التي جعلت مرتديها يبدون وكأنهم كائنات نصف آلية.
إلهام بولارويد والتحول نحو الشاشات
استلهم سبيغل، شغوفاً بتاريخ تقنيات التصوير، أفكاره من إدوين لاند، المؤسس الشريك لشركة بولارويد، الذي سعى لجعل التصوير تجربة فورية واجتماعية. كان الهدف هو الاحتفاء بالكاميرات وتقديم طريقة جديدة لصنع الذكريات. حققت النظارات في بدايتها شهرة واسعة، لكنها لم تحقق نجاحاً تجارياً كبيراً، ما أدى إلى خسائر مالية لشركة سناب. أدرك سبيغل أن الكاميرات وحدها لا تكفي؛ فالنظارات بحاجة إلى شاشة لعرض الواقع المعزز.
تجسد هذا التغيير الجذري في الإصدار الرابع من نظارات سبيكتاكلز، الذي كُشف عنه خلال جائحة كورونا. قدم سبيغل حينها جهازاً مستقلاً يعرض طبقة من الصور الرقمية فوق المشهد الذي يراه المستخدم من خلال العدسات، بعد أن كانت العدسات في الإصدارات السابقة مجرد زجاج عادي.
التطورات الحديثة والتحديات الحالية
شهدت النظارات الأحدث، التي كان يرتديها سبيغل في اللقاء، تحسينات كبيرة في الأداء، أبرزها نظام التشغيل الجديد Snap OS. هذا النظام يفتح الباب أمام المطورين لتصميم تطبيقات واقع معزز متقدمة باستخدام أدوات سناب الخاصة بالعدسات. تتوفر هذه الأجهزة حالياً حصرياً لأعضاء برنامج المطورين لدى سناب، مع تحديات مستمرة لتحسين عمر البطارية وتقليص الحجم الكبير للنظارات، الذي قد يجعل مرتديها يبدو كعامل لحام قادم من المستقبل.
المنافسة في عالم الواقع المعزز: سبيغل ضد ميتا وأبل
عندما سُئل سبيغل عن سبب عدم توجهه نحو نموذج مشابه لجهاز أبل فيجن برو، الذي يركز على إعادة إنشاء الأماكن الحقيقية افتراضياً، أجاب بأن هذه التجربة انعزالية وتستهلك موارد تقنية هائلة. يرى سبيغل أن سبيكتاكلز تعتمد على العالم الحقيقي الذي يراه المستخدم مباشرة، ما يقلل من الحاجة إلى موارد حوسبة ضخمة أو حزم بطاريات متصلة، ويجعل التفاعلات أكثر طبيعية.
حرب المنافسة مع ميتا
يوجه سبيغل سهامه بشكل خاص نحو منتجات ميتا بلاتفورمز، التي استثمر رئيسها التنفيذي مارك زوكربيرغ مئات المليارات في عالم الميتافيرس دون عائد ملموس بعد. لطالما كانت المنافسة بين سبيغل وزوكربيرغ الأطول في عالم وسائل التواصل الاجتماعي، حيث قامت ميتا بنسخ العديد من خصائص سناب تشات الشهيرة.
بعد ثمانية أيام فقط من إعلان سبيغل عن النسخة الجديدة من نظارات سبيكتاكلز، قدم مارك زوكربيرغ منتجاً منافساً تحت اسم “مشروع أوريون”. يستخف سبيغل بتصميم أوريون، خاصة لاعتماده على جهاز لاسلكي منفصل يجب حمله في الجيب. في المقابل، تضمنت سبيكتاكلز كافة الدوائر الكهربائية اللازمة لقراءة حركات الأصابع بالاعتماد على المستشعرات المدمجة، مما يوفر تجربة أكثر تكاملاً وسلاسة رغم التحديات التقنية التي تواجهها سناب نظراً لمواردها المحدودة مقارنة بميتا العملاقة.
الاستفادة من الذكاء الاصطناعي: مستقبل العدسات التفاعلية
مع تقدم النهار، كشف سبيغل عن رؤيته لمستقبل الواقع المعزز، حيث تتكامل تقنيات الذكاء الاصطناعي لتسهيل إنشاء العدسات التفاعلية. استعرض فريق سبيكتاكلز مجموعة من التطبيقات المبتكرة، مثل عدسة للرسم تتيح للمستخدمين ابتكار رسومات ملونة تطفو في الهواء بدقة مذهلة، وعدسة من ليغو غروب تسمح بتركيب مكعبات رقمية افتراضية مع الأصدقاء.
يسعى سبيغل من خلال نظام تشغيل سناب إلى تبسيط عملية تطوير العدسات، بحيث يتمكن أي فنان من تصميمها بسهولة، لا سيما بمساعدة الذكاء الاصطناعي. بدلاً من كتابة الأكواد، تستثمر سناب في تقنيات تتيح للمطورين الاستفادة من نماذج الذكاء الاصطناعي من جوجل أو أوبن إيه آي، مما يجعل توليد الرسومات ثلاثية الأبعاد لعدسة مخصصة بسيطاً كإدخال أمر نصي. هذه الرؤية تهدف إلى ديمقراطية الابتكار، وتمكين الشركات الصغيرة من تحقيق قفزات حقيقية في عالم التقنية.
و أخيرا وليس آخرا: رؤية سبيغل الشاملة
تتجاوز رؤية إيفان سبيغل لمستقبل الواقع المعزز مجرد الأرباح والتنافس التقني؛ إنها رؤية متأصلة في إيمانه بقدرة التقنية على إثراء التجربة الإنسانية، وليس استبدالها. فمن خلال دمج العالم الرقمي مع واقعنا المادي بطريقة سلسة، تسعى نظارات سناب سبيكتاكلز إلى إعادة تشكيل طريقة تفاعلنا مع بعضنا البعض ومع البيئة المحيطة. فهل ستنجح هذه الرؤية الطموحة في تحويل الحوسبة من ممارسة فردية منعزلة إلى تجربة مشتركة وغامرة تعزز روابطنا الإنسانية، أم أن التحديات التقنية والاقتصادية ستُبقي هذا المستقبل بعيد المنال؟ يبقى هذا السؤال مفتوحاً، بانتظار ما ستكشفه الأيام القادمة من تطورات في هذا المجال الواعد.











