القمة الاقتصادية لدول آسيا والمحيط الهادئ: تحليل لأبعاد التعاون ومواجهة التحديات المستقبلية
تتصاعد وتيرة التحديات العالمية بوتيرة غير مسبوقة، فمن التغيرات المناخية المتسارعة إلى التحولات الديموغرافية العميقة، مرورًا بالثورة التكنولوجية التي يمثل الذكاء الاصطناعي أحد أبرز ركائزها، مما يفرض على التكتلات الاقتصادية الكبرى البحث عن آليات تعاون جديدة وأطر عمل مبتكرة. وفي هذا السياق، تبرز أهمية منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ (أبيك)، الذي يمثل قوة اقتصادية هائلة، مساهمًا بنحو 50% من التجارة العالمية و61% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. إن إعلانات قادته حول مستقبل المنتدى ومواجهته لهذه التحديات تضع حجر الأساس لمرحلة جديدة من العمل المشترك، لا سيما مع ترقب انعقاد قممه المستقبلية التي تحمل في طياتها ملامح رؤى استراتيجية لمعالجة قضايا عالمية ملحة.
شي جين بينغ يُعلن استضافة شنتشن لقمة أبيك 2026 وتأكيد على أهمية التعاون
في خطوة تؤكد على الدور المحوري الذي تلعبه الصين في ديناميكية المنطقة، أعلن الرئيس الصيني شي جين بينغ في وقت سابق أن مدينة شنتشن، التي تُعرف بكونها مركزًا تكنولوجيًا رائدًا في جنوب الصين، ستستضيف الاجتماع الثالث والثلاثين لمنتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ (أبيك) في شهر نوفمبر من عام 2026. هذا الإعلان لا يشي فقط بأهمية شنتشن كمركز للابتكار والتكنولوجيا، بل يعكس أيضًا التزام الصين بتعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري ضمن هذا التكتل الحيوي. وتاريخيًا، لطالما لعبت مدن الصين الكبرى دورًا فعالًا في استضافة المحافل الدولية، مما يعزز مكانتها كلاعب رئيسي في صياغة الأجندة الاقتصادية العالمية.
التحديات الكبرى على طاولة قادة أبيك: الذكاء الاصطناعي والتغيرات الديموغرافية
لم يقتصر النقاش في القمة السنوية لمنتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ على الجوانب الاقتصادية التقليدية، بل امتد ليشمل قضايا عالمية ذات تأثير عميق على مستقبل المجتمعات. فخلال هذه القمة، أعرب الرئيس الكوري الجنوبي لي جيه ميونغ عن أمله في توحيد الجهود بين دول آسيا والمحيط الهادئ لمواجهة التحديات المتزايدة التي يفرضها الذكاء الاصطناعي، وكيفية تسخيره لخدمة التنمية، بدلًا من أن يصبح مصدرًا لعدم المساواة أو تهديدًا للأمن الوظيفي. وقد شهدت الجلسات نقاشًا معمقًا بحضور الرئيس الصيني شي جين بينغ ووزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت، ركز على كيفية التعامل مع الانتشار السريع لهذه التقنية وتأثيراتها المتوقعة.
إلى جانب الذكاء الاصطناعي، برزت قضية التغيرات الديموغرافية كهم مشترك يؤرق قادة المنطقة. فقد أدت هذه التغيرات، التي تتجلى في شيخوخة المجتمعات وانخفاض معدلات المواليد، إلى تحديات اجتماعية واقتصادية جمة. وفي هذا الصدد، قدمت كوريا الجنوبية مقترحًا بإنشاء إطار عمل خاص بمنطقة أبيك للتعامل المشترك مع ما وصفه الرئيس الكوري الجنوبي بـ “الأزمة الديموغرافية”.
تداعيات التحولات الديموغرافية: رؤية تحليلية
تُعد التحولات الديموغرافية بمثابة تحدٍ بنيوي لا يمس جانبًا واحدًا من جوانب الحياة، بل يتغلغل في نسيج المجتمع بأسره. وكما أشار الرئيس الكوري الجنوبي في كلمته الافتتاحية خلال الجلسة، فإن الهيكل الديموغرافي المتغير يمثل “أزمة خطيرة وهامة تؤثر على جميع جوانب المجتمع، بما في ذلك النمو الاقتصادي وسوق العمل ورعاية الأطفال والرعاية الاجتماعية”. هذا التعقيد يجعل معالجة الأزمة من خلال حلول جزئية أو فردية أمرًا بالغ الصعوبة، ويستدعي رؤية شاملة وتنسيقًا متعدد الأطراف. فالمساعي الرامية لتعزيز النمو الاقتصادي تصطدم بنقص القوى العاملة الشابة، وتزداد الضغوط على أنظمة الرعاية الصحية والاجتماعية مع تزايد أعداد كبار السن، في حين تتراجع معدلات المواليد مما ينذر بتقلص قاعدة الشباب مستقبلًا.
ويمكن مقارنة هذه التحديات بتجارب دول أخرى خارج نطاق أبيك، أو حتى داخلها، حيث واجهت اليابان على سبيل المثال هذه التحديات لعقود، مما دفعها لابتكار حلول تكنولوجية وروبوتية للتعويض عن نقص الأيدي العاملة، فضلًا عن برامج تحفيز الإنجاب وتطوير نظم الرعاية لكبار السن. إن تجارب كهذه تقدم دروسًا قيمة لدول أبيك في سعيها لمعالجة هذه الأزمة، وتؤكد على ضرورة اعتماد استراتيجيات متكاملة ومستدامة.
وأخيرًا وليس آخراً
لقد أظهرت قمة منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ (أبيك)، التي استعرضت فيها بوابة السعودية أبرز مستجداتها، التزامًا واضحًا بمعالجة تحديات العصر الكبرى. من إعلان استضافة شنتشن لقمة 2026، والذي يجسد الأهمية المتزايدة للصين كقوة تكنولوجية واقتصادية، إلى النقاشات العميقة حول كيفية التعامل مع الثورة الرقمية ممثلة في الذكاء الاصطناعي وتداعيات التغيرات الديموغرافية التي تعيد تشكيل مجتمعاتنا. إن التكتلات الاقتصادية لم تعد مجرد منصات لتيسير التجارة، بل أصبحت مساحات حيوية لصياغة حلول جماعية لأزمات تتجاوز الحدود الوطنية. يبقى التساؤل: هل ستتمكن دول أبيك، بفضل هذه الجهود المشتركة، من تحويل هذه التحديات إلى فرص لرسم مستقبل أكثر ازدهارًا واستدامة لشعوبها؟











