استراتيجية تنمية القدرات الثقافية: رؤية لتمكين الإبداع وصناعة المستقبل
تُعَدُّ استراتيجية تنمية القدرات الثقافية إحدى الركائز الأساسية التي تنطلق منها المملكة العربية السعودية نحو بناء مستقبل مزدهر، حيث لا يقتصر التطور على الجوانب الاقتصادية أو التقنية فحسب، بل يمتد ليشمل تمكين الإنسان السعودي ثقافيًا وفنيًا. لقد باتت الثقافة، في الألفية الثالثة، قوة محركة للتنمية المستدامة وعاملًا حاسمًا في تشكيل الهوية الوطنية وتعزيز مكانة الدول على الساحة العالمية. وفي سياق التحولات الكبرى التي تشهدها المملكة، أُطلقت هذه الاستراتيجية الطموحة لربط مخرجات المنظومة التعليمية باحتياجات سوق العمل في القطاع الثقافي المتنامي، بما يضمن رفد هذا القطاع بكفاءات وطنية مؤهلة ومبدعة، ويُرسّخ قيم الفن والإبداع في كل مراحل التعليم والتدريب.
تدشين استراتيجية وطنية شاملة للنهوض بالقطاع الثقافي
في خطوة استراتيجية جريئة نحو بناء مجتمع المعرفة والإبداع، أطلقت وزارتا الثقافة والتعليم، في 21 جمادى الأولى 1444هـ الموافق 15 ديسمبر 2022م، استراتيجية تنمية القدرات الثقافية. جاء هذا التدشين بمشاركة فاعلة من وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، والمؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني، وهيئة تقويم التعليم والتدريب، والمركز الوطني للتعليم الإلكتروني. تُجسد هذه الشراكة الواسعة إيمانًا راسخًا بأن تنمية القدرات الثقافية هي مسؤولية جماعية تتطلب تضافر جهود مختلف القطاعات الحكومية لتهيئة بيئة تعليمية مثالية تدعم ازدهار القطاع الثقافي بكل مستوياته وتخصصاته.
الأهداف المحورية لاستراتيجية تنمية القدرات الثقافية
تهدف استراتيجية تنمية القدرات الثقافية إلى تحقيق مجموعة من الأهداف الطموحة التي تُسهم في رسم ملامح المشهد الثقافي المستقبلي للمملكة. تسعى الاستراتيجية إلى تقديم صورة إيجابية وجاذبة للمواهب والمهن الثقافية والفنية، ورفع مستوى الوعي المجتمعي بأهمية تنمية هذه القدرات. كما تعمل على توفير فرص واسعة لتطوير الهوايات والتعليم غير المؤسسي، وتشجيع الأفراد على استكشاف وتنمية مهاراتهم واهتماماتهم الفنية.
تضمن الاستراتيجية تقدير المواهب والهوايات الفنية والثقافية بشكل مستمر، وتزويد طلاب التعليم العالي والتدريب التقني والمهني ببرامج تعليمية وتدريبية عالية الجودة في الفنون والثقافة، بما يتماشى مع متطلبات سوق العمل. ولا يقتصر التركيز على التعليم العالي، بل يشمل توفير تعليم تأسيسي عالي الجودة في الثقافة والفنون لطلاب التعليم العام. علاوة على ذلك، تُمكن الاستراتيجية التطوير المهني المستدام لممارسي الفنون والثقافة وروّاد الأعمال، مما يخلق بيئة داعمة للنمو والابتكار.
مسارات استراتيجية تنمية القدرات الثقافية: إطار عمل متكامل
تتوزع الأهداف الطموحة لـ استراتيجية تنمية القدرات الثقافية على أربعة مسارات تعليمية متكاملة، تُغطي كافة مراحل وفئات المجتمع. هذه المسارات هي: التعليم العام، والتعليم العالي، والتدريب التقني والمهني، وأخيرًا التعلم مدى الحياة. يُمثل هذا الإطار الشامل منهجية متكاملة لضمان استمرارية التنمية الثقافية من مرحلة الطفولة المبكرة وصولًا إلى الاحتراف وتنمية المهارات المستمرة.
وتُحقق الاستراتيجية أهدافها عبر مجموعة واسعة من البرامج والمبادرات المتنوعة. تشمل هذه البرامج الأكاديمية المتخصصة، ودعم الكليات والأكاديميات المكرسة للثقافة والفنون، إضافة إلى برامج التدريب المهني التي تلبي احتياجات السوق. كما تُركز على تطوير مناهج الثقافة والفنون وتوسيع نطاقها في التعليم العام، وتوفير برامج وأنشطة لا منهجية تُنمّي الإبداع خارج الفصول الدراسية. ولضمان جودة التعليم، تتضمن الاستراتيجية برامج تطوير المعلمين، وبرامج اكتشاف المواهب، والمسابقات الثقافية والفنية، وأندية الهواة، وورش العمل المخصصة للصغار خارج المدارس، إلى جانب ورش العمل غير الرسمية وبرامج صقل المهارات المهنية، وبرامج ريادة الأعمال التي تدعم الحاضنات ومسرعات الأعمال في القطاع الثقافي.
مستهدفات طموحة بحلول عام 2026
تَضَعُ استراتيجية تنمية القدرات الثقافية نصب عينيها مستهدفات واضحة وقابلة للقياس بحلول عام 2026م. تسعى الاستراتيجية إلى تحقيق مشاركة واسعة في الأنشطة الثقافية اللاصفية، حيث تهدف إلى أن تُقدم أكثر من نصف مدارس التعليم العام أنشطة ثقافية إضافية. كما تطمح إلى توجيه اهتمامات الخريجين نحو القطاع الثقافي، باستهداف اختيار أكثر من 5% من خريجي التعليم العام للتخصص والعمل في مجالات الثقافة.
وعلى صعيد التأهيل المتخصص، تهدف الاستراتيجية إلى تخريج أكثر من 20 ألف متخصص في مجالات الثقافة من مرحلتي التعليم العالي والتدريب التقني والمهني. و لتوسيع البنية التحتية التعليمية، تسعى للوصول إلى 120 مؤسسة تدريبية متخصصة في مجالات الثقافة والفنون. ولإشراك المجتمع بشكل أوسع، تُركز الاستراتيجية على دعم الهواة بحيث يتجاوز عدد السعوديين الذين لديهم هوايات مرتبطة بالثقافة والفنون 14%، مما يعكس حراكًا ثقافيًا مجتمعيًا واسعًا.
مبادرات استراتيجية تنمية القدرات الثقافية: محركات التغيير
تبنت استراتيجية تنمية القدرات الثقافية 33 مبادرة حيوية لترجمة أهدافها إلى واقع ملموس، مُشَكِّلةً خارطة طريق مفصلة لتطوير البيئة الثقافية والتعليمية. من أبرز هذه المبادرات تصميم وتحسين وطرح مناهج الثقافة والفنون في التعليم العام، مما يضمن غرس الحس الفني والثقافي لدى الأجيال الجديدة. كما تشمل برامج متخصصة لاكتشاف ورعاية الموهوبين والاحتفاء بقدراتهم في مجالات الثقافة والفنون، وتحديد معايير مهنية للمعلمين وتطوير البنية التحتية للمدارس.
وتهدف المبادرات إلى تطوير كليات وبرامج أكاديمية متخصصة في التعليم العالي، ووضع نظام متكامل لبرامج وتراخيص التدريب التقني والمهني. إضافة إلى ذلك، تشمل برنامج الابتعاث الثقافي الذي يفتح آفاقًا عالمية للطلاب السعوديين، وبرامج صقل المهارات في الثقافة والفنون، وأنشطة الهواة لدعم المشاركة المجتمعية. وتُعزز هذه المبادرات بدراسات وبحوث معمقة في تنمية القدرات الثقافية، وغيرها من البرامج التي تُسهم في تنمية مجالات الإبداع الثقافي بشكل شامل ومستدام.
مبادرة المسارات التدريبية في الثقافة والفنون: بوابة نحو الاحتراف
في إطار تنفيذ استراتيجية تنمية القدرات الثقافية، أطلقت وزارة الثقافة بالتعاون مع المركز الوطني للتعليم الإلكتروني في 7 صفر 1446هـ الموافق 11 أغسطس 2024م، مبادرة نوعية هي “مبادرة المسارات التدريبية في الثقافة والفنون”. تتيح هذه المبادرة فرصًا تعليمية وتطويرية مستمرة عبر مسارات تدريبية متنوعة في العديد من المجالات الثقافية والفنية، وذلك بهدف دعم الكفاءات الوطنية العاملة في القطاع الثقافي أو الراغبة في الالتحاق به.
يمكن للممارسين والمهتمين التسجيل في هذه المسارات عبر المنصة الوطنية للتعليم الإلكتروني FutureX، لخوض رحلة تعليمية مستمرة تُسهم في صقل مواهبهم ورفع كفاءاتهم التخصصية بما يخدم القطاع الثقافي. وتشتمل المبادرة على 30 مسارًا تدريبيًا، تتضمن ما يقارب 150 برنامجًا تدريبيًا، تُغطي قطاعات ثقافية متعددة مثل فنون الطهي، والمسرح والفنون الأدائية، والمكتبات، والأفلام، والأزياء، والتراث، والفنون البصرية، والأدب، والنشر، والترجمة. وتختلف مدة البرامج التدريبية وفقًا لاختصاص كل مسار ثقافي، مما يتيح مرونة وتخصصية عالية للمتدربين.
استراتيجية تنمية القدرات الثقافية ورؤية السعودية 2030: تلاقي الطموحات
تمثل استراتيجية تنمية القدرات الثقافية مظلة وطنية شاملة تُسهم بفاعلية في تحقيق مستهدفات رؤية السعودية 2030 الطموحة. تتكامل هذه الاستراتيجية مع برنامجين رئيسيين من برامج تحقيق الرؤية: برنامج تنمية القدرات البشرية، وبرنامج جودة الحياة، مما يؤكد على أهمية البنمية الثقافية كرافد أساسي للتنمية الشاملة. تعمل وزارتا الثقافة والتعليم، جنبًا إلى جنب مع منظومات التعليم والتدريب الأخرى، على تنمية القدرات الثقافية في مختلف القطاعات التعليمية والتدريبية.
يتم ذلك من خلال مشاركة جميع أطراف المنظومتين التعليمية والتدريبية، بهدف توفير فرص أفضل لمواهب الطلاب والطالبات، وخلق جيل مبدع ومُبتكر قادر على خدمة القطاعات الثقافية الـ 16 في المملكة. تهدف الاستراتيجية إلى الإسهام في تهيئة بيئة مناسبة لصناعة ثقافية متطورة ومستدامة، ترفع من جودة الحياة وتعزز من مكانة المملكة الثقافية إقليميًا ودوليًا، وتُحقق بذلك مستهدفات رؤية السعودية 2030 التي ترسم ملامح مستقبل مشرق للمملكة وشعبها.
و أخيرا وليس آخرا
تُجسد استراتيجية تنمية القدرات الثقافية رؤية ثاقبة لمستقبل المملكة، حيث لا تقتصر التنمية على الجوانب المادية فحسب، بل تمتد لتشمل بناء الإنسان وتأهيله ليكون عنصرًا فاعلًا ومبدعًا في شتى مجالات الحياة. من خلال ربط التعليم بسوق العمل، ودعم المواهب، وتوفير بيئة حاضنة للإبداع، تُمهد الاستراتيجية الطريق لجيل جديد من المفكرين والفنانين والمثقفين القادرين على إثراء المشهد الثقافي الوطني والعالمي. فهل ستنجح هذه الاستراتيجية في تحويل المملكة إلى مركز إقليمي ودولي للإبداع الثقافي، وتُرسّخ الثقافة كجزء لا يتجزأ من النسيج اليومي لكل مواطن سعودي؟ بوابة السعودية تتطلع إلى رصد هذه المسيرة بكل تفاصيلها.











