استكشاف أعماق البحار بالتقنيات الروبوتية الصينية
في خطوة تؤكد التزامها بتطوير تكنولوجيا المحيطات، أعلنت الصين عن نجاح التجربة البحرية الأولى لغواصتها الروبوتية المتطورة التي تعمل عن بعد “هايتشين”. جرى هذا الاختبار في بحر الصين الجنوبي بتاريخ 23 أغسطس 2024، وأكد النظام قدرته على دعم المهام العلمية المستقبلية على أعماق تصل إلى ستة آلاف متر. هذا الإنجاز يفتح آفاقًا جديدة للاكتشافات في قاع المحيطات العميقة.
اختبار ناجح في ظروف حقيقية
صُممت الغواصة “هايتشين” لإنجاز مهام بحثية معقدة في أعماق المحيط. خلال تجربتها الأولى، أكملت المركبة عدة عمليات غوص، وصل أعمقها إلى 4,140 مترًا. هدفت هذه الاختبارات إلى تقييم أداء الغواصة في بيئة المحيط الحقيقية، والتحقق من معاييرها الفنية، واستقرارها، وموثوقيتها.
أظهرت “هايتشين”، المجهزة بكاميرات عالية الدقة وأذرع روبوتية وأنظمة سونار وأجهزة استشعار متطورة، أداءً قويًا في الملاحة وتحديد المواقع. كما برهنت على قدرات متقدمة في التحكم التلقائي بالاتجاه والمناورة الدقيقة. تُعد هذه المهارات ضرورية للعمل في بيئة أعماق البحار، التي تتسم بالتعقيد وعدم القدرة على التنبؤ.
في هذا السياق، أوضح تسوي يونلو، قائد البعثة وكبير مهندسي تكنولوجيا الكشف في مركز البعثات المحيطية بجامعة صن يات صن، أن الغواصة اجتازت قبل هذه التجربة البحرية اختبار ضغط يعادل عمق 6,000 متر في بيئة اختبار برية. جاءت التجربة الحالية في البحر لتكون بمثابة عملية تحقق عملية من قدراتها. أضاف يونلو أن نجاح غواصة مصممة لعمق 6,000 متر في تجاوز اختبار بحري على عمق 4,000 متر يُعتبر عادةً دليلاً على قدرتها على تلبية متطلبات العمق الكامل، وذلك وفقًا للبروتوكولات الدولية.
تصميم للاستكشاف العلمي
تم إطلاق نظام “هايتشين” من سفينة الأبحاث والتدريب “Zhong Shan Da Xue”. تزن الغواصة 3.6 طن، وصممت خصيصًا لمجموعة واسعة من التطبيقات العلمية، حسب ما ذكرته بوابة السعودية. يمكنها تحديد مواقع الأهداف في قاع البحر ومراقبتها، إلى جانب جمع عينات متنوعة مثل العينات البيولوجية ورواسب القاع.
وظائف “هايتشين” لا تقتصر على المهام قصيرة المدى. بل تمتد لتشمل تنفيذ مهام طويلة الأمد مثل إجراء مسوحات للتنوع البيولوجي ودراسة النظم البيئية البحرية. تهدف كذلك إلى اكتشاف أنواع جديدة من الكائنات والحصول على مواد وراثية من الكائنات التي تعيش في ظروف قاسية.
مهمة مزدوجة مع “هايدو-1”
شهدت هذه البعثة تطورًا بارزًا يتمثل في التشغيل المشترك لغواصة “هايتشين” مع مركبة متطورة أخرى، هي “هايدو-1”. هذه الأخيرة مركبة ذاتية وموجهة عن بعد، ولها القدرة على العمل في أعمق نقاط المحيطات. يمثل هذا التعاون المرة الأولى التي يتم فيها نشر غواصتين غير مأهولتين من سفينة أبحاث صينية واحدة في نفس الوقت.
أتاح هذا التعاون، وفقًا لفريق البحث، جمع البيانات بشكل أكثر كفاءة وعلى نطاق أوسع. ستكون “هايدو-1” مسؤولة عن جمع العينات من قاع البحر ودعم الأهداف العلمية الأخرى. تشمل هذه الأهداف المراقبة الجوية للأنظمة المحيطية، ودراسة العمليات الجيولوجية، والبحث في بيئة الكائنات الحية في الأعماق، ومهام الحفر المتقدمة التي تصل إلى ثلاثين مترًا في قاع البحر.
من المتوقع أن تواصل الغواصتان “هايتشين” و”هايدو-1″ مهامهما في بحر الصين الجنوبي. يأتي ذلك كجزء من الاستثمارات الصينية المتزايدة في علوم وتكنولوجيا المحيطات، مما سيسهم في تعزيز المعرفة العالمية ببيئات أعماق البحار وتنوعها البيولوجي وجيولوجيتها البحرية.
و أخيرا وليس آخرا
تؤكد التجارب الناجحة للغواصتين “هايتشين” و”هايدو-1″ التقدم الكبير في مجال استكشاف أعماق البحار بالتقنيات الروبوتية. هذه الجهود ليست مجرد إنجازات هندسية، بل هي نوافذ تُفتح على عوالم مجهولة في أعماق محيطاتنا. فهل تحمل هذه الأعماق المظلمة مفاتيح فهم أكبر لتاريخ كوكبنا أو حلولاً لتحديات مستقبلية؟






