قرية بن عضوان السياحية: تحفة تراثية في قلب عسير
تزخر المملكة العربية السعودية بتاريخ عريق وتنوع جغرافي وثقافي فريد، تتجلى معالمه بوضوح في مناطقها الجنوبية، لا سيما منطقة عسير التي تعد جوهرة الجنوب الغربي. فبين أحضان جبال السروات الشاهقة، تبرز أبها، عاصمة عسير، كوجهة سياحية وثقافية بامتياز، نقطة انطلاق لاستكشاف إرث حضاري عميق وطبيعة خلابة. في خضم هذا المشهد الغني، تتألق قرية بن عضوان السياحية كنموذج رائد يجسد التراث العسيري الأصيل، مقدماً للزوار تجربة غامرة تجمع بين عراقة الماضي وجمال الحاضر.
أبها: بوابة الجنوب الساحرة
لطالما كانت أبها، الواقعة عند الطرف الجنوبي لسلسلة جبال البحر الأحمر، مركزاً حيوياً للثقافة والتاريخ في المنطقة. إنها مدينة تكتنز كنوزاً لا حصر لها، من قصر شدا الطيني الذي تحول إلى متحف يروي حكايات الأزمان الغابرة، إلى بحيرة سد أبها ومنتزه قصر أبها الترفيهي الذي يوفر متنفساً طبيعياً. كما تدعو أسواق أبها التقليدية النابضة بالحياة، وتوأمتها خميس مشيط، المتسوقين للانغماس في تجربة فريدة، بينما تدعو الأحياء التاريخية مثل النصب والبسطة للتجول بين أزقتها العتيقة.
تتيح أبها لزوارها فرصة استكشاف قرية المفتاحة التشكيلية، والتعرف على العادات القبلية المتجذرة في قريتي الحبلة ورجال ألمع المجاورتين. إنها حقاً وجهة مثالية للانغماس في الثقافة العسيرية الأصيلة، ومن بين أبرز هذه الوجهات التراثية التي تجسد هذا العمق الثقافي، تبرز قرية بن عضوان كمعلم لا يضاهى.
قرية بن عضوان: قصة إرث وعزيمة
في مشهد بانورامي خلاب، تتكشف روعة قرية بن عضوان السياحية شمال مدينة أبها، وبالتحديد في مركز بيحان ببللحمر. هذه القرية، التي أنشأها محمد بن عضوان الأحمري، لم تكن مجرد مشروع سياحي، بل هي رؤية تحولت إلى واقع، تقدم تجربة استثنائية على ارتفاع يتجاوز 2700 متر فوق سطح البحر، ضمن مساحة شاسعة تبلغ 30 ألف متر مربع. لقد كانت هذه المبادرة، التي جرى افتتاحها في بداية شهر يوليو من عام 2020، بمثابة تحول نوعي في مفهوم السياحة التراثية بالمنطقة.
متحف القرية: نافذة على الماضي العسيري
يعد متحف قرية بن عضوان القلب النابض للمشروع، فهو يضم اثني عشر ركناً تحكي قصصاً من عمق التاريخ. تتجاوز مقتنياته ثلاثة آلاف قطعة أثرية، موزعة على أربعة أدوار، وتنقل الزائر في رحلة عبر الزمن ليتعرف على تاريخ سكان المنطقة منذ مئات السنين وأدواتهم اليومية. قبل الدخول إلى عالم المتحف، يستقبل الزوار في مكان مخصص للضيافة، حيث تقدم القهوة والشاي في مجالس تراثية، في أجواء ترحيبية تعكس كرم الضيافة العسيرية.
كنوز المتحف وتفاصيله الفريدة
صُمم المتحف ببراعة ليعكس الطراز التراثي، حيث يتلمس الزائر أركاناً تأخذه إلى تفاصيل حياة أبناء المنطقة. يضم المتحف أدوات زراعية وري قديمة، وأدوات لغزل الصوف، بالإضافة إلى ركن خاص بالنجارة وأدواتها التي اشتهرت بها إحدى الأسر العسيرية. للمرأة العسيرية مكانة خاصة في المتحف، حيث تعرض أزياؤها التقليدية في مختلف المراحل العمرية، وأطيابها المستمدة من نباتات المنطقة، وأدوات زينتها، وحتى حقيبة العروس.
لم يغفل المتحف أيضاً عن إبراز لباس الرجل العسيري، وزي رجل الأمن “العسة” وأسلحتهم القديمة. كما يضم المتحف مجموعة من العملات الورقية منذ عهد الملك عبدالعزيز وحتى الوقت الحاضر، إضافة إلى العملات المعدنية التي يعود بعضها إلى عام 310 هجرية. وتكتمل التجربة بركن مخصص لأدوات الطب والختان قديماً، وركن للمكاييل والموازين، ومخطوطات نادرة، ومصحف مكتوب بماء الذهب، مما يضفي بعداً روحياً وثقافياً عميقاً على الزيارة.
مرافق القرية: ضيافة وتجارب استثنائية
لا تقتصر تجربة قرية بن عضوان على المتحف فحسب، بل تمتد لتشمل مرافق ضيافة وترفيه متكاملة. في الدور الثالث، يوجد نزل ريفي يضم سبعة أجنحة مصممة على الطراز المحلي، مما يوفر إقامة هادئة ومريحة. وفي الدور الرابع، يقع مطبخ حديث يقدم أشهى المأكولات التراثية للمنطقة، ليتذوق الزوار نكهات عسير الأصيلة.
تُحيط بالفندق مزارع خضراء بديعة، إحداها للبُر والأخرى للفراولة، حيث يمكن للزوار قطف ثمارها الطازجة. ويقدم المقهى ألذ عصير فراولة ومنتجات المربى والآيس كريم المصنوعة من الفراولة المزروعة محلياً. كما تم توفير ممرات مخصصة للزوار للتنزه بين مزارع الفراولة والبُر، والاستمتاع بالأجواء العليلة. تطل على هذه المزارع صالة بطول 24 متراً، وممر خاص بالروائح العطرية المنبعثة من نباتات الريحان والحبق والنعناع والتوت والكرز، مما يضيف بعداً حسياً فريداً للتجربة.
إرث حي ومستقبل واعد
تستقبل القرية، التي جمع موروثها التراثي على مدى ثلاثين عاماً، زوارها في سبعة مجالس مجهزة تحاكي المجالس العسيرية الأصيلة بمحتوياتها من “متاكي” و”صلج”. وتضم القرية أيضاً بئراً تراثياً، ومحمية للطيور، وملاعب قديمة، ومسرحاً يتسع لنحو خمسمائة شخص لإقامة الفعاليات المتنوعة. في مقابل القرية التراثية، أنشئ مبنى حديث على مساحة خمسة آلاف متر مربع، يضم سبعة عشر جناحاً فندقياً بخمس نجوم لخدمة السياح، بالإضافة إلى صالات وقاعات مخصصة للمناسبات والاجتماعات، ومقر لتجهيز محبي التخييم والرحلات، مما يعكس الدمج المبتكر بين الأصالة والمعاصرة.
رؤية استشرافية
إن نجاح قرية بن عضوان السياحية يبرز أهمية الحفاظ على التراث العمراني والثقافي، وتحويله إلى وجهات سياحية مستدامة. هذا المشروع يعكس قدرة القطاع الخاص على المساهمة الفاعلة في تحقيق أهداف الرؤية الوطنية، من خلال تقديم منتجات سياحية مبتكرة تعزز الهوية الثقافية للمملكة وتجذب الزوار من كل مكان. إنه نموذج يحتذى به في تطوير السياحة التراثية، ويشكل إضافة قيمة للمشهد السياحي في عسير والمملكة ككل.
وأخيراً وليس آخراً
تُعد قرية بن عضوان السياحية في أبها مثالاً ساطعاً على كيفية تحويل الإرث الثقافي إلى تجربة حية وثرية للزوار. من تفاصيل المتحف العتيقة التي تروي حكايات الأجداد، إلى المرافق العصرية التي توفر أقصى درجات الراحة والضيافة، وصولاً إلى الطبيعة الساحرة المحيطة بها، تقدم القرية لوحة متكاملة تجسد روح عسير. إنها ليست مجرد وجهة سياحية، بل هي دعوة لاكتشاف العمق الثقافي للمملكة، وتأمل في قدرة الإنسان على صون تراثه وبناء مستقبل مشرق. فهل يمكن لمثل هذه المشاريع أن تكون نموذجاً لتطوير وجهات سياحية أخرى في مناطق المملكة الغنية بتراثها الفريد؟ هذا ما ينتظرنا اكتشافه في مسيرة المملكة نحو تعزيز مكانتها كوجهة سياحية عالمية.






