بخروش بن علاس: قائد المقاومة في جنوب الجزيرة العربية ضد القوات العثمانية
تزخر صفحات التاريخ بأعلامٍ وشخصياتٍ تركَت بصماتٍ واضحةً في مسيرة الأوطان، فكانت أيقوناتٍ للمقاومة والصمود. ومن بين هذه الشخصيات البارزة، يسطع اسم بخروش بن علاس، الذي يُعدُّ رمزاً للمقاومة الوطنية في جنوب الجزيرة العربية خلال النصف الأول من القرن الثالث عشر الهجري (بدايات القرن التاسع عشر الميلادي). لم يكن بخروش مجرد قائد عسكري فحسب، بل كان مهندسَ استراتيجياتٍ دفاعيةٍ أرهقت الحملات العثمانية المتوغلة في المنطقة، مجسداً روح الصمود والتحدي في وجه القوى الكبرى، وهو ما يستدعي الغوص في سيرته العطرة ودراسة تأثيره العميق على مجريات الأحداث آنذاك.
نشأة قائد ومواجهة تحديات عصر
يُعرف بخروش بن مسعود العلاسي القرشي الزهراني، بأنه أحد أبرز رجالات المنطقة الجنوبية الغربية من جزيرة العرب في زمانه. بدأت مسيرته القيادية عندما اختاره الأمير عثمان المضايفي، أمير الطائف آنذاك بتعيين من الإمام عبدالعزيز بن محمد بن سعود، ليكون أميراً على بلاد زهران وما يحيط بها، وكان ذلك في عام 1218هـ. ورغم تباين الروايات حول اسمه الكامل، فإن اسمه “بخروش بن علاس” رسخ في الذاكرة الجمعية للمنطقة، وتناقلته الأجيال عبر الروايات الشفهية والمخطوطات التاريخية.
برز نجم بخروش بشكل لافت في عام 1226هـ، عندما تقدمت جيوش محمد علي باشا وابنه طوسون نحو عسير، في سعيها لإحكام السيطرة على أقاليم الجزيرة العربية. في تلك الفترة، تصدى القائد طامي بن شعيب المتحمي، أمير عسير، لهذه الحملات بشجاعة، وطلب الدعم من الإمارات والمناطق المجاورة. كان بخروش بن علاس شريكاً استراتيجياً في هذا الدفاع، حيث استطاع هو وطامي بن شعيب صد هجمات الباشا المتوالية، على الرغم من تفوق الجيش التركي في التجهيزات العسكرية وحداثة الأسلحة.
تحديات التوثيق التاريخي وغياب بخروش عن السجلات الرسمية
من المثير للانتباه أن اسم بخروش بن علاس، ورغم دوره المحوري، غاب عن الكثير من كتابات المؤرخين والباحثين المعاصرين له. بدلاً من ذلك، لمع اسمه في رسائل خصومه من القادة العثمانيين، التي كانت تنقل أخبار المعارك وتفاصيل هزائمهم أمامه. تشتتت أخباره ومآثره بين الروايات الشفهية المتواترة، التي ظلت حية في ذاكرة أهالي جنوب الطائف والباحة.
لم يُفرد لسيرته مؤلف خاص أو رسالة علمية شاملة في زمانه، مما أبقى جوانب كثيرة من حياته وجهاده محصورة في النقل الشفهي. لكن الكشف مؤخراً عن رسائل محمد علي باشا الموجهة إلى الخليفة العثماني، قدم شهادة موثقة ورسمية لتلك الروايات الشعبية، مؤكداً الدور الكبير الذي لعبه بخروش في تلك الحقبة التاريخية الحاسمة.
مسرح العمليات: الجنوب الغربي من الجزيرة العربية
مع بداية الحملة التركية أواخر عهد الإمام سعود، كان القائد عثمان المضايفي قد استعد لمواجهة هذه الحملات بدعم مباشر من الدرعية، التي أرسلت جيشاً قوامه 15,000 فارس بقيادة عبدالله ابن الإمام سعود. انضم إلى هذا الجيش عند وصوله القائد طامي بن شعيب المتحمي، أمير عسير، وشكلوا تحالفاً قوياً. استطاعت هذه الجيوش، في بادئ الأمر، هزيمة طوسون باشا، ولكن الأخير أعاد تنظيم قواته في عام 1228هـ بعد وصول إمدادات ضخمة من والده محمد علي باشا، مما مكن مصطفى بك، رئيس فرسان محمد علي باشا وصهره، من دخول مدينة الطائف.
بدأ هنا فصل جديد من معارك الكر والفر بين الجيشين السعودي والتركي، وتحولت مناطق جنوب الطائف إلى ساحة حرب ساخنة. استمر القائد طامي بن شعيب في مواجهة جيش الباشا بعد أسر الأمير عثمان المضايفي في العاشر من رمضان عام 1228هـ. كان محمد علي باشا حريصاً على إخضاع المناطق الجنوبية الغربية لحكمه، وقطع الطريق على القيادة في الدرعية، التي كان يعتبرها مصدر قوة المقاومة.
التحالف الاستراتيجي بين بخروش وطامي: جبهة صمود ضد الباشا
في خضم هذه الأحداث، كتب الباشا إلى الخليفة العثماني في إسطنبول، مؤكداً أن عسير هي المصدر الرئيسي لقوة الدرعية وقلبها النابض، وأن السيطرة عليها سيسهل القضاء على المقاومة. وعندما وصلت جيوش الباشا إلى القنفذة، طلب القائد طامي بن شعيب الدعم من الأقاليم المحيطة. هنا برز اسم القائد بخروش بن علاس، الذي كان والياً معيناً من قبل الإمام عبدالعزيز على تلك النواحي منذ عام 1218هـ.
نجح هذا الثنائي، بخروش وطامي، في صد حملات الباشا المتتالية. ورغم حداثة وتنوع الأسلحة التركية، استطاع الأمير بخروش بن علاس إعادة سرايا العدو من حيث أتت، بل وأرسل رسالة تحدٍ ساخرة إلى الباشا، يستهزئ فيها بهزيمة جيشه. في المقابل، واصل القائد طامي بن شعيب نضاله في صد الحملات المتجهة نحو إقليم عسير، ليُظهر التعاون بين الأميرين أقصى درجات الوفاء والإيثار. مثال على ذلك، ما حدث في معركة القنفذة عام 1229هـ، حيث تمكن الأميران من هزيمة جيش حسن آغا وأسيوم أوغلو، بشهادة المؤرخ جيرالد دو غوري.
إنجازات عسكرية وتكتيكات نفسية
لم تقتصر إنجازات جيوش القائد بخروش على صد الهجمات فحسب، بل امتدت لتصيب قادة الحملة التركية. فقد استطاعت قواته إصابة طوسون باشا والقائد عابدين بك. دوت نتائج هذه المعارك في الصحف العربية والتركية، وتناقل الولاة العثمانيون أخبار تقهقر حملتهم، مما وضع محمد علي باشا في حرج بالغ، خاصة بعد تلقيه رسالة بخروش الساخرة وإصابة ابنه وقائده.
بينما كان القائد بخروش يقود جيوش القبائل من الباحة وجنوب الطائف، كان القائد طامي بن شعيب يقود قبائل عسير في معارك ضارية. تزامن ذلك مع استعداد قبائل البقوم في تربة للمواجهات الحاسمة. اضطر محمد علي باشا لجلب مقاتلين إضافيين من جبال الأطلس، ومقاتلين أرناؤوط ألبان، كانوا معتادين على القتال في الجبال، وذلك لمواجهة صمود المقاومة.
أسباب عودة محمد علي باشا: رؤى وتحليلات تاريخية
لم يلحظ الكثير من المؤرخين سببين بالغي الأهمية يفسران بعض قرارات محمد علي باشا آنذاك. الأول هو عودته المفاجئة إلى مصر بعد تحقيق انتصارات وتقدم في الحجاز. وقد حار المؤرخون في تفسير هذه العودة رغم أن مصلحته كانت تقتضي بقاءه بجانب جيوشه. والحقيقة أن سبب عودته كان مرتبطاً بهروب نابليون بونابرت من منفاه وعودته إلى فرنسا لخوض معركته الأخيرة “واترلو”، الأمر الذي كان يهدد مصالح الباشا في مصر، التي غزاها نابليون قبل عقد ونصف.
أما الأمر الآخر، فهو إصرار محمد علي باشا على مواصلة التوغل في مناطق عسير والزحف نحو اليمن. عزا الباشا ذلك للخليفة العثماني في رسائله بالرغبة في إخضاع المنطقة سياسياً، لكن الحقيقة كانت تتمثل في حرصه على السيطرة على حقول البن ودخول مدينة المخا اليمنية المشهورة بجودة محصولها من البن، وكذلك إقليم خولان. كان الأتراك يصدرون هذا النوع من البن إلى أوروبا تحت مسمى “موكا”، ومن المعروف أن محمد علي نفسه كان يبيع القهوة والدخان في صباه بألبانيا، مما يعكس معرفته القيمة التجارية للبن.
حرب الجبال: تكتيكات بخروش المتفردة
بالعودة إلى تقدم محمد علي واستعداده للزحف نحو منطقة الباحة، استعدت قبائل المنطقة بقيادة بخروش بن علاس لصد حملات الباشا. نجح بخروش في صد حملة تلو الأخرى، وتفردت بعض كتب التاريخ بتفصيل المعارك المستمرة، لا سيما حين كان رجاله يداهمون جيوش الباشا وسط الجبال، ويقطعون عليهم الطرق، ويرمونهم بالصخور. استمرت عمليات الكر والفر التي جعلت الجيش التركي عاجزاً عن التقدم.
لم تقتصر مقاومة بخروش ورجاله على القوة العسكرية فحسب، بل تعدتها إلى تكتيكات نفسية بارعة. طلب بخروش من بائعي العسل والبضائع، الذين يرتاد الجيش التركي أسواقهم، أن ينشروا أخباراً مرعبة عن خطورة غزو الجبال التي تسكنها “الجن”، وربما أرشدوهم إلى طرق وعرة تزيد من إضعافهم. انتشرت هذه الأخبار بين جنود الباشا انتشار النار في الهشيم، لتصبح هذه الحيلة حرباً نفسية ناجحة، شبيهة باستراتيجيات الحروب الحديثة.
معركة بسل: نقطة تحول ودفاع أخير
خرج محمد علي باشا من معاركه جنوب الطائف بانكسارات كبيرة ومكاسب متواضعة، مما أبطأ تقدمه نحو الشرق والجنوب. وصلت الأمور إلى معركة بسل الشهيرة، حيث تجمعت الجيوش السعودية المتحالفة، بقيادة الأمير فيصل بن سعود بن عبدالعزيز، وضمت أسماء لامعة كطامي بن شعيب وبخروش بن علاس وغالية البقمية.
يذكر المؤرخ محمد بن عايض القرشي الزهراني أن الباشا حشد جيشاً قوامه 25 ألف مقاتل، وصلوا إلى جدة ثم إلى وادي بسل ووادي كلاخ، جنوب شرق الطائف. أقام الباشا تحصيناته هناك، مستفيداً من الموقع الاستراتيجي ووفرة المياه والتلال الوردية المناسبة للاختباء. استدرج الجيوش المتحالفة المتمركزة في وادي غزايل، وكان يمتلك أسلحة فتاكة مثل مدافع الهاون والبنادق العثمانية، بينما لم يمتلك العرب سوى البنادق القديمة والأسلحة البيضاء.
كانت خطة الباشا تقضي بالبقاء في بسل محصناً، حيث كانت المؤن تصل إليه بسهولة من جدة عبر قوافله، ومن السويس والقصير عبر أسطوله البحري. ظن العرب المتحالفون أن الباشا سيهجم عليهم، ولكن طال انتظارهم، ونفدت مؤنهم الغذائية، فقرروا الهجوم على الباشا في بسل. كانت تلك “غلطة عظيمة” دفعوا ثمنها غالياً، حيث أدت خسارة معركة بسل إلى تحول في ميزان القوى لصالح محمد علي باشا.
صمود حتى الرمق الأخير: أسر بخروش وموته
بعد معركة بسل، ظلت الجيوش المدافعة تقاوم على شكل جيوب دفاعية، حيث كانت كل قبيلة تهاجم وتدافع في أرضها. استمر القائد بخروش بن علاس في قيادة قبائل زهران، التي أرهقت وبددت جيوش محمد علي وابنه طوسون، مقدماً أروع الأمثلة في صلابة القتال.
استمر بخروش في المقاومة إلى أن تم أسره أخيراً من قبل جيش محمد علي باشا. كما أسر صديقه القائد الفذ طامي بن شعيب المتحمي، الذي أُرسل إلى مصر ثم إلى إسطنبول. أما بخروش، فقد استطاع أن يفتك بآسريه ويفك قيده ويهرب من السجن، لكن رجال الباشا تعقبوه وألقوا القبض عليه مجدداً. وعندما سأله الباشا لماذا يقتل الجند، أجاب بخروش: “ما دمت طليقاً أعمل ما أشاء”. عندئذ، أمر الباشا بقتل هذا البطل، الذي دفن جسده في تهامة زهران، وحمل رأسه إلى مصر ثم إسطنبول مع رأس القائد طامي بن شعيب. يروي الباشا في رسائله للخليفة العثماني تفاصيل زحفه إلى ديار بخروش، وحصاره لقلعته، وهروب بخروش وقتله، مشيداً بقوته وصموده.
بخروش في الذاكرة الشعبية والتاريخ
في المناطق المتاخمة لمدينة الباحة، لا يزال هناك مثل سائر بين الأهالي يثني على ما قدمه الأمير بخروش، وهو “حكم بخروش”، الذي يراد به الإشارة إلى الأحكام الصارمة أحياناً. ورغم أن هذا المثل قد يربطه البعض خطأً بقراقوش، نائب صلاح الدين الأيوبي، إلا أن كتب التاريخ والتراجم تثبت حسن سيرة كليهما. فبخروش لم يكن حاكماً جائراً، بل كان مناضلاً قاتل دفاعاً عن الأهل والأوطان، ولعل المثل سار بين العامة من باب الإعجاب بهيبته وجسارته.
يصف المؤرخ الإيطالي جيوفاني فبناتي، الذي رافق غزو محمد علي باشا، بخروش قائلاً: “لم يشهد العرب أشجع من بخروش في زمانه”. كما نقل جيرالد دو غوري، مؤلف كتاب “حكام مكة”، عن المؤرخ السويسري بوركهات، الذي كان شاهد عيان على حروب بخروش ومقتله، تفاصيل استبساله. فبعد أن أُسر بخروش وتمكن من الهرب، وحين أُلقي القبض عليه مرة أخرى، أمر الباشا بقتله ببطء. يصف بوركهات مقتله قائلاً: “وظلوا عاكفين عليه هكذا إلى أن هلك، دون أن يشتكي”، وكان ذلك في عام 1231هـ (الموافق 1816م)، ليختتم حياة مليئة بالجهاد والصمود.
وأخيراً وليس آخراً
تظل قصة بخروش بن علاس حافلة بالعبر والدروس، وتبرز كنموذج استثنائي للصمود والمقاومة في وجه التحديات الكبرى. إن سيرته لا تقتصر على سرد الأحداث العسكرية فحسب، بل تتجاوزها لتشكل دراسة معمقة لروح القيادة، وتكتيكات حرب الجبال، وحتى الحرب النفسية، في فترة عصيبة من تاريخ المنطقة. إن تفاعل بخروش مع الأحداث المحيطة، وتحالفاته الاستراتيجية، وشجاعته النادرة، تجعله شخصية لا يمكن تجاوزها عند الحديث عن تاريخ جنوب الجزيرة العربية ومقاومتها للاحتلال. فإلى أي مدى يمكن لشخصية واحدة أن تلهم الأجيال المتعاقبة، وتظل رمزاً خالداً للعزيمة والإباء؟











