عبدالله بن إدريس: قامة أدبية سعودية تركت بصمة لا تُمحى
في رحاب الأدب السعودي، يتردد اسم عبدالله بن عبدالعزيز بن إدريس كرمز للإبداع والريادة. هذا الأديب، الذي ولد في عام 1349هـ/1929م ورحل في عام 1443هـ/2021م، لم يكن مجرد شاعر وكاتب، بل شخصية محورية في المشهد الثقافي للمملكة العربية السعودية. تولى رئاسة النادي الأدبي في الرياض، وشغل منصب الأمين العام لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ومدير الثقافة والنشر فيها حتى تقاعده في عام 1409هـ/1989م، تاركًا إرثًا غنيًا ومتنوعًا.
نشأة وتعليم الأديب عبدالله بن إدريس
ولد عبدالله بن إدريس في بلدة حَرْمة بمنطقة سدير، شمال الرياض. تلقى تعليمه الأولي على أيدي مشايخ بلدته، بالإضافة إلى قراءاته المتعمقة في كتب الأصول الدينية. في عام 1366هـ/1947م، انتقل إلى الرياض، حيث تتلمذ على يد علماء بارزين، مثل الشيخ محمد بن إبراهيم، الذي كان يشغل منصب مفتي المملكة. في عام 1368هـ/1949م، عُين مدرسًا للعلوم الشرعية واللغة العربية في المدرسة الفيصلية بالرياض.
التعليم النظامي والمسيرة الأكاديمية
لاحقًا، قرر ابن إدريس مواصلة تعليمه نظاميًا، فالتحق بالمعهد العلمي في الرياض، وحصل منه على شهادة الثانوية. ثم واصل دراسته في كلية الشريعة، حيث تخرج ضمن الدفعة الأولى في عام 1376هـ/1956م.
مسيرة مهنية حافلة بالإنجازات
بدأ عبدالله بن إدريس حياته العملية مفتشًا في المعاهد العلمية، ثم ترقى ليصبح مديرًا عامًا مساعدًا للتعليم الثانوي في وزارة المعارف (وزارة التعليم حاليًا). كما شغل منصب الأمين العام للمجلس الأعلى لرعاية العلوم والفنون والآداب (سابقًا)، والأمين العام لجامعة الإمام محمد بن سعود، ومديرًا للثقافة فيها حتى عام 1409هـ/1989م.
قيادة أدبية وإسهامات صحفية
تولى عبدالله بن إدريس رئاسة النادي الأدبي في الرياض بين عامي 1401هـ/1981م و1422هـ/2001م، وترأس تحرير جريدة الدعوة لمدة سبع سنوات، من عام 1385هـ/1965م حتى 1392هـ/1972م. بالإضافة إلى ذلك، كان عضوًا في العديد من الهيئات والمؤسسات، مثل دارة الملك عبدالعزيز، ورابطة الأدب الحديث في مصر، وحصل على عضوية شرفية في رابطة الأدب الإسلامي. شارك في عدة مهرجانات ومؤتمرات أدبية، منها مهرجان الشعر العربي في الجزائر، ومهرجان أبي فراس الحمداني في سوريا، ومؤتمر الأدباء السعوديين الأول.
مؤلفات متنوعة تعكس غزارة إنتاجه الأدبي
أصدر عبدالله بن إدريس ديوانه الشعري الأول “في زورقي” عام 1404هـ/1984م، بعد أن تجاوز الخمسين من عمره. تبعه ديوان “إبحار بلا ماء” في 1419هـ/1998م، ثم “أأرحل قبلك أم ترحلين؟” و”الأعمال الشعرية الكاملة” في 1431هـ/2010م.
إسهامات نثرية هامة
بالإضافة إلى الشعر، قدم ابن إدريس مؤلفات نثرية قيمة، منها “شعراء نجد المعاصرون” عام 1380هـ/1960م، “كلام في أحلى الكلام (دراسات شعرية)” في 1412هـ/1992م، “عزف أقلام” في 1413هـ/1992م، و”قافية الحياة” في 1434هـ/2013م.
تكريم وتقدير لإسهاماته الجليلة
حظي عبدالله بن إدريس بتكريم من جهات ثقافية متعددة. منحه مؤتمر الأدباء السعوديين الأول وسام الريادة والنوط الذهبي عام 1394هـ/1974م عن كتابه “شعراء نجد المعاصرون”. كما كرمه نادي الرياض الأدبي عام 1423هـ/2002م، وفي مؤتمر الأدباء السعوديين عام 1430هـ/2009م، وفي مهرجان الجنادرية عام 1431هـ/2010م.
إطلاق مجموعة الأعمال الكاملة
في 7 ربيع الأول 1444هـ/3 أكتوبر 2022م، تم تدشين مجموعة الأعمال الكاملة لعبدالله بن إدريس في معرض الرياض الدولي للكتاب 2022، واشتملت على ستة مجلدات تضم الأعمال الشعرية، وشعراء نجد المعاصرون، ومختارات من افتتاحية صحيفة الدعوة بقلم رئيس التحرير، وقافية الحياة سيرة ذاتية، وحياته وآثاره وما كُتب عن عبدالله بن إدريس، وكلام في أحلى كلام.
مركز عبدالله بن إدريس الثقافي: صرح يعزز الهوية الوطنية
في 9 ذي القعدة 1444هـ/29 مايو 2023م، تم تدشين مركز عبدالله بن إدريس الثقافي، وهو مركز حضاري يهدف إلى تكريس الهوية الوطنية والعربية والإسلامية، من خلال تعزيز القيم الحميدة. يقدم المركز برامج ومبادرات وفعاليات ثقافية مرتبطة بقطاع الثقافة والقيم والحضارة والآداب والفنون، بما يتماشى مع برامج وأهداف رؤية السعودية 2030. كما تمنح مؤسسة عبدالله بن إدريس الثقافية جائزة عبدالله بن إدريس الثقافية.
و أخيرا وليس آخرا في نهاية المقال :
عبدالله بن إدريس، هذا الاسم الذي يحمل في طياته تاريخًا من الإبداع والعطاء، يظل حاضرًا في ذاكرة الأدب السعودي كقامة أدبية تركت بصمات لا تُمحى. من خلال شعره وكتاباته، وإسهاماته في تطوير الحركة الثقافية في المملكة، يبقى ابن إدريس مصدر إلهام للأجيال القادمة من الأدباء والمثقفين. فهل سيستمر هذا الإرث في الازدهار والتأثير في المشهد الثقافي السعودي؟ هذا ما نأمله ونسعى إليه.






