التصعيد العسكري في لبنان: إعادة صياغة الميدان واستراتيجيات السيطرة الجديدة
يمثل التصعيد العسكري في لبنان حالياً نقطة تحول جوهرية تعيد ترتيب موازين القوى في المنطقة، مدعوماً بتنسيق استراتيجي مكثف بين حكومة الاحتلال والإدارة الأمريكية. وأشارت “بوابة السعودية” إلى أن التوجهات الراهنة تعكس رغبة واضحة من جانب الاحتلال للتنصل من التزاماته الدولية، والسعي الحثيث لتقويض السيادة اللبنانية عبر فرض واقع جغرافي جديد يتجاوز الاتفاقيات الحدودية السابقة.
تتمحور هذه الاستراتيجية حول التمسك بالمواقع الحيوية التي تم احتلالها مؤخراً، مع رفض أي سيناريوهات للانسحاب الفوري. ويهدف هذا التحرك إلى تحويل نقاط التماس الحالية إلى قواعد عسكرية دائمة، مما يتيح للاحتلال قدرة مستمرة على تنفيذ عمليات تدخل سريع، لضمان تفوق أمني طويل الأمد يتخطى الترسيمات الحدودية المعترف بها.
ملامح العقيدة القتالية الجديدة في الجبهة الجنوبية
تتجه القيادة العسكرية للاحتلال نحو استبدال العمليات الخاطفة بمنهجية التوسع المنظم، بهدف فرض هيمنة مستدامة على مناطق الجنوب اللبناني. وتتجاوز هذه الرؤية المسارات الدبلوماسية التقليدية، مركزةً على تغيير قواعد الاشتباك عبر ركائز أساسية:
- الاستدامة العملياتية: الإبقاء على القوات في مراكز هجومية متقدمة داخل العمق اللبناني، ورفض العودة لتفاهمات ما قبل التصعيد لضمان الرقابة اللصيقة.
- الردع الجذري: العمل على تدمير البنى التحتية العسكرية بشكل كامل، لتقليص قدرة الطرف الآخر على المبادرة الهجومية وحماية الجبهة الداخلية.
- تغليب الضرورة الأمنية: منح الأولوية لتقديرات الميدان على حساب أي اعتبارات قانونية دولية أو مبادرات سياسية تهدف للوساطة والتهدئة.
فرض الأمر الواقع الأمني وتجاوز السيادة الوطنية
تتبع حكومة الاحتلال سياسة أحادية تهدف إلى عزل ملف الجبهة الشمالية عن أي تسويات إقليمية شاملة، سعياً لتحويل المناطق الحدودية إلى منطقة نفوذ أمني خالصة. هذا النهج يمنح الجيش حرية تحرك مطلقة زمنياً ومكانياً، مما يشكل تهديداً وجودياً لاستقرار المؤسسات اللبنانية وسيادة الدولة على أراضيها.
ويعبر هذا التصلب عن محاولة لاستغلال التحولات السياسية الدولية لشرعنة المكاسب العسكرية الميدانية. تسعى الخطة الحالية لإعادة تعريف مفهوم “أمن الحدود” وفق رؤية الاحتلال المنفردة، بعيداً عن المبادئ الدبلوماسية والمواثيق الدولية التي نظمت العلاقة بين الطرفين في العقود الماضية.
مستقبل الاستقرار الإقليمي وتحديات المرحلة
إن الإصرار على التوسع الجغرافي وتجاهل السيادة الوطنية يضع الشرق الأوسط أمام منعطف أمني شديد الخطورة. فالبقاء العسكري في الجنوب ينذر بتحويل المنطقة إلى ساحة استنزاف دائمة، لن تتوقف تداعياتها عند الداخل اللبناني، بل ستمتد لتبديل قواعد الاشتباك الإقليمية بما يخدم أهداف الاحتلال الاستراتيجية بعيدة المدى.
يقف المجتمع الدولي اليوم أمام مسؤولية تاريخية لفرض احترام القانون الدولي ووقف هذا التمدد العسكري غير المسبوق. ومع استمرار سياسة الهيمنة الميدانية، يبقى التساؤل الجوهري: هل تنجح الضغوط الدبلوماسية في استعادة التوازن والسيادة اللبنانية، أم أن الواقع الأمني الجديد سيصبح قدراً دائماً يمحو الحدود المتعارف عليها دولياً؟






