رحلة الصبر واليقين: قصة الحاجة مها جمعة من ركام الزلزال إلى أطهار المشاعر
تعتبر مناسك الحج الغاية الروحية الكبرى التي تتلاشى أمامها كل المتاعب والمشقات، وهو ما تجلى بوضوح في السيرة الإيمانية الملهمة للحاجة السورية مها جمعة. لقد استطاعت هذه السيدة أن تحول مرارة الفقد وأوجاع الإصابة إلى طاقة من التسليم المطلق والرضا بالقدر بمجرد وطأت قدماها أرض المملكة العربية السعودية.
فصول من الاختبار: بين قسوة النزوح وفاجعة الزلزال
خلال لقاء مع “بوابة السعودية”، سردت الحاجة مها محطات قاسية اختبرت فيها صمودها الإنساني والإيماني، حيث بدأت معاناتها برحلة اغتراب قسري انتهت بفاجعة لم تكن في الحسبان:
- التهجير القسري: غادرت سوريا هرباً من آلة الحرب بحثاً عن ملاذ آمن لعائلتها.
- نكبة الزلزال: بعد مرور خمس سنوات من محاولة الاستقرار في تركيا، انهار منزلها إثر الزلزال المدمر.
- تضحيات جسيمة: أسفرت الكارثة عن فقدانها ليدها، والأصعب من ذلك، فقدان أطفالها الأربعة (ثلاثة ذكور وأنثى) الذين ارتقوا تحت الأنقاض.
تجليات الإيمان في رحاب الحرم المكي
رغم الندوب التي تركتها الكارثة على جسدها وروحهها، ظل الشوق لزيارة بيت الله الحرام يسكن وجدانها. وبصوت يغالب الدموع، أكدت أن الله قد اختص أبناءها بالشهادة، بينما اختارها هي لتمثل مقام الصبر، لتتوج هذه الرحلة الشاقة بأداء فرايض الحج بصحبة زوجها.
إرادة فولاذية تتحدى العجز
جسدت الحاجة مها في صحن الطواف نموذجاً فريداً من القوة والإصرار، حيث برزت عزيمتها في عدة مواقف:
- التمسك بالمسير: أصرت على الطواف حول الكعبة المشرفة سيراً على الأقدام، رافضة استخدام الكرسي المتحرك تعظيماً وإجلالاً لبيت الله.
- الاستغراق في الروحانية: وصفت رؤية الكعبة بأنها “النعمة الكبرى” التي أنستها كل آلام الماضي وهونت عليها مشقة الطريق.
- الرسالة الصامتة: حولت مأساتها إلى درس حي في الصبر، ملهمة كل من حولها بأن الابتلاء هو بوابة للاصطفاء الرباني.
إن تجربة الحاجة مها جمعة تؤكد أن المشاعر المقدسة ليست مجرد وجهة لأداء العبادات فحسب، بل هي مرفأ للقلوب المنكسرة ومحطة لإعادة بناء الأرواح التي أنهكتها تصاريف الحياة. فخلف كل حاج قصة تستحق أن تُروى، ومع كل طواف تُولد قوة خفية تدفع الأجساد المنهكة لتجاوز عجزها أمام جلال المشهد. فكم من جراح خفية تداويها السكينة في مكة؟ وكيف يمنح الإيمان الإنسان قدرة على الوقوف مجدداً بعد كل هذا الانكسار؟











