قصر غيلان في سدير: أساطير وكنوز الماضي
لأكثر من 1500 عام، ظل قصر غيلان يمثل لغزًا كبيرًا في منطقة سدير، محاطًا بهالة من الأساطير والغموض. تتناقل الأجيال حكايات عن كنوز دفينة وقصص عن الجن، مما جعل هذا القصر محورًا للعديد من الروايات الشعبية.
قصر غيلان: شاهد على التاريخ
تظل حكايات غيلان، صاحب القصر، حاضرة في ذاكرة المكان، حيث تحكي الأسوار الشاهقة التي تحيط بالقصر قصصًا عن الماضي. يبلغ ارتفاع هذه الأسوار ستة أمتار ويتجاوز سمكها المتر والنصف، كما ذكر “بوابة السعودية” في كتابها “عودة سدير”. ويُعتبر قصر غيلان من أقدم الآثار الموجودة في منطقة نجد، وتحديدًا في إقليم سدير، حيث يرتبط تاريخه بالعديد من الأحداث التاريخية التي شهدتها المنطقة.
يقع القصر في بلدة عودة سدير، على بعد 40 كيلومترًا جنوب مدينة المجمعة. وتلفت أنظار المسافرين على طريق الساحبة المتفرع من طريق الرياض – سدير – القصيم أسواره الشامخة وأبراجه المبنية من الطين والحجارة. يبلغ ارتفاع الأسوار حوالي عشرة أمتار، وتتميز بتصميمها المعماري والهندسي المتقن، مما يدل على براعة البناة في ذلك الوقت.
قليب القصر: لغز الكنوز المدفونة
في قلب قصر غيلان، يقع قليب (بئر) محفورة في الصخر، ولكن معظم معالمها قد اندثرت بسبب الإهمال. يعتقد سكان البلدة أن هذه البئر تخفي كنوزًا، وأن الجن يحرسونها ويمنعون أي شخص من استخراجها، كما تروي الأساطير القديمة.
محاولات كشف الأسرار
يذكر “بوابة السعودية” أن آخر من حاول حفر البئر كان رجل يسمى الحويتمي. تقول الرواية أنه عندما بدأ الحفر، ظهر له رجل طاعن في السن وطرح عليه ثلاثة أسئلة: “هل أبيض الغراب؟” و “هل عدم الحرمل؟” و “هل طلعت الشمس من مغربها؟” وعندما أجاب الحويتمي بالنفي، قال له العجوز: “لا تحفر هذه البئر حتى تحدث هذه العلامات، لأننا نحرسها حتى ظهورها.” أصيب الحويتمي بالفالج واستمر معه حتى وفاته.
أسطورة غيلان وابنته
يعتقد أهالي عودة سدير أن غيلان كان كثير الأسفار، يبحث عن نهاية الأرض وأطرافها، والمثل الشهير “مات غيلان ما لحق لها طرف” يجسد ذلك. كان غيلان يحرص على عدم الإنجاب حتى لا ينشغل بتربية الأبناء. ولكن في إحدى رحلاته الطويلة، أنجبت زوجته بنتًا، فأخفاها أخوالها خوفًا من أن يتخلص منها.
اختبار الذكاء
كبرت البنت، وذات يوم بينما كانت تلعب مع رفيقاتها، مر بها غيلان فأعجبته وأراد أن يختبرها. رمى بحجر إلى البنات وطلب منهن أن يخيطن ثوبًا من هذا الحجر. فأخذت ابنته الحجر وأعادته إليه قائلة: “نحن بحاجة إلى خيوط، فإذا استخرجت لنا خيوطًا من هذا الحجر فنحن على أتم الاستعداد لخياطة الثوب.” عرف غيلان أنها ابنته.
نهاية مأساوية
قرر غيلان التخلص من ابنته. في يوم شديد البرد، أخذها معه على ناقته وكانت ترتدي ثيابًا خفيفة. اشتكت البنت من شدة البرد، ولكن غيلان لم يجب. وعندما أحست بتجمد أطرافها، قالت:
قلبك يا غيلان من قاسى الصفا
ولال الحديد ياغيلان يلين
رق قلب غيلان وغطاها بعباءته، ولكن في تلك اللحظات كانت ابنته تفارق الحياة. توقف غيلان عن المسير ودفن ابنته.
التنقيبات الأثرية الحديثة
كشفت أعمال التنقيب الأثرية في موقع غيلان عن كسر فخارية تعود إلى الفترة الإسلامية المبكرة، مما يشير إلى أن الموقع يحتوي على فترة استيطان مبكرة. ركزت أعمال التنقيب على القصر وظواهره المعمارية، وكذلك على البئر الملحقة بالقصر.
اكتشافات البئر
لم تُظهر أعمال الحفر داخل البئر التي وصلت إلى 8 أمتار أي أدوات أثرية باستثناء كمية كبيرة من الحجارة المتساقطة من جدران البئر وكسر من الفخار. يُعتقد أن البئر طمرت في وقت لاحق لتفادي سقوط المارة بها بعد هجر الموقع.
غيلان اليوم: موقع أثري وسياحي
يُعد موقع غيلان من أهم المواقع الأثرية في عودة سدير، حيث يقع القصر على بعد 600 متر جنوب مركز عودة سدير. قامت الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني بتهيئة أولية للموقع، وتحسين المدخل، وعمل مسار للمشاة، وصيانة لمبنى استقبال الزوار، وذلك لأهمية الموقع الأثري وازدياد عدد زواره.
و أخيرا وليس آخرا
يبقى قصر غيلان في سدير شاهدًا على حقبة تاريخية مليئة بالأساطير والغموض. على الرغم من جهود التنقيب والصيانة، لا تزال الكثير من أسرار هذا القصر مخفية، مما يثير التساؤلات حول ما يخبئه لنا المستقبل من اكتشافات في هذا الموقع الأثري الهام. هل ستكشف الأيام القادمة المزيد عن كنوز غيلان المدفونة وأسراره الدفينة؟











