زراعة الذرة الرفيعة في السعودية: تفاصيل وأهمية تاريخية واجتماعية
تتميز المناطق الجنوبية الغربية من المملكة العربية السعودية ببيئة فريدة تتيح لها زراعة الذرة الرفيعة، حيث تتداخل التضاريس الجبلية والسهلية مع الأراضي الخصبة المتنوعة بين الطينية والصفراء، مدعومة بوفرة الأمطار.
الذرة الرفيعة، المعروفة محليًا بأسماء مثل “المطيان” أو “الأماطي” في منطقة عسير، تعتبر محصولًا غذائيًا حيويًا لسكان هذه المنطقة. فهي ليست مجرد غذاء، بل جزء من تراث زراعي عريق يمتد لقرون، وتزرع تقليديًا في فصل الصيف لتلبية احتياجاتها من درجات الحرارة العالية خلال النمو.
زراعة الذرة في منطقة عسير: ريادة وتميز
في عام 1443هـ (2021م)، تصدرت منطقة عسير المناطق الإدارية في المملكة من حيث عدد الحيازات الزراعية، حيث بلغت 69,466 حيازة، أي ما يعادل 24.5% من إجمالي الحيازات في المملكة. وتتنوع الأراضي الزراعية في عسير بين الطينية على حواف الأودية، والتي تسقى من سيول الأمطار الموسمية، والصفراء التي تشكل الجزء الأكبر وتعتمد على الأمطار والآبار. إضافة إلى ذلك، توجد مدرجات زراعية على سفوح الجبال تعتمد على مياه الأمطار.
يعتقد المزارعون المحليون أن جودة ووفرة المحصول ترتبطان بدقة حساب مطالع النجوم ومواقيت الزراعة المعروفة باسم “الحلال”، حيث يقسمون السنة إلى فصول أو “حلول”، يبدأ كل منها بيوم الأحد وينتهي بيوم السبت، ويتكون من سبعة نجوم، وكل نجم يستمر لمدة 13 يومًا، أي ما يعادل ثلاثة أشهر كاملة.
زراعة الذرة في محافظة ظهران الجنوب: موسم الحصاد وآلية الزراعة
تشتهر محافظة ظهران الجنوب بموسم جني محصول حبوب الذرة البلدي، الذي يمر بعدة مراحل منظمة تبدأ بحرث الأرض وذري البذور وسقيها، وتنتهي بعملية الحصاد بعد حوالي ثلاثة أشهر. الدافع وراء اهتمام المزارعين بزراعة الحبوب الغذائية هو الاستهلاك المنزلي، حيث كانت الذرة تعتبر غذاءً أساسيًا لأهالي المنطقة. أما الفائض من الإنتاج فيتم بيعه في المحافظات والمدن المجاورة مثل نجران وخميس مشيط وأبها.
تعتبر الذرة الرفيعة، أو “المطيان” كما يسميها أهالي ظهران الجنوب، من أقدم المحاصيل الزراعية في المنطقة، وتحتل المرتبة الثانية بعد القمح في قائمة الحبوب الغذائية. وبفضل الدعم الحكومي، يواصل المزارعون زراعة الذرة واستخدامها لتغذية المواشي والحيوانات، بالإضافة إلى إنتاج كميات قليلة من الذرة الصفراء لنفس الغرض، إلى جانب الذرة الشامية.
زراعة الذرة في منطقة جازان: مواسم وأنواع متنوعة
ينتظر مزارعو منطقة جازان بفارغ الصبر موسم زراعة الذرة الذي يبدأ في منتصف أكتوبر من كل عام، ويعرف باسم “مذرة المخرط”، بالإضافة إلى مواسم أخرى مثل “الشبّ” و”الخريف” و”السعودات”. وتتميز سهول جازان بتنوع أنواع الذرة المزروعة، بما في ذلك الذرة البيضاء والحمراء والشهلاء والشاحبي، بالإضافة إلى الذرة القهرية والغرب. تمر ثمرة الذرة بتسع مراحل قبل الحصاد، بدءًا من “المعاصرة” و”الجضم” وصولًا إلى “مرحلة النضج” الخاصة بالذرة الحمراء.
يحل موسم “الخضير” في منتصف ديسمبر، وهو موسم مشهور في جازان، حيث تصل ثمرة الذرة إلى مرحلة النمو المناسبة للقطف والطحن، وتكون سهلة الطحن وتميل إلى اللون الأخضر. وقد سمي الموسم بـ “الخضير” نسبة إلى استمتاع الأهالي بطعم الذرة في الأطباق الشعبية المختلفة.
يمثل هذا الموسم فرحة كبيرة لأهالي المنطقة، حيث يحافظون على تقاليدهم الزراعية وأكلاتهم الشعبية. كما أنه فرصة للمزارعين لبيع محاصيلهم، سواء كانت من الخضير أو الحبوب الحمراء، في الأسواق الشعبية أو كأعلاف للحيوانات.
دور مركز الأبحاث الزراعية في تطوير زراعة الذرة بمنطقة جازان
يقوم مركز الأبحاث الزراعية في منطقة جازان، التابع لوزارة البيئة والمياه والزراعة، بتجربة لتقييم الكفاءة الإنتاجية لمحصول الذرة الرفيعة بالتعاون مع المركز العربي لدراسات المناطق الجافة والأراضي القاحلة (أكساد). يهدف هذا التعاون إلى إيجاد وتوطين أصناف جديدة من الذرة الرفيعة تتميز بإنتاجية عالية من الحبوب والأعلاف الخضراء، وذلك لتلبية احتياجات المملكة من الغذاء والأعلاف، بالإضافة إلى استغلال موسم الأمطار في الزراعة البعلية لتجربة أصناف قصيرة الموسم.
و أخيرا وليس آخرا في نهاية المقال :
تتجلى أهمية زراعة الذرة في المملكة العربية السعودية، خصوصًا في مناطق مثل عسير وجازان، كجزء لا يتجزأ من التراث الزراعي والغذائي للمجتمع. هذه الزراعة، التي تعتمد على المعرفة المحلية والتقاليد المتوارثة، تسهم في تحقيق الاكتفاء الذاتي وتوفير الغذاء للمواطنين. ومع الجهود المستمرة لتطويرها من خلال الأبحاث الزراعية، تبقى الذرة رمزًا للارتباط الوثيق بين الإنسان والأرض في هذه المناطق. فهل ستشهد الذرة الرفيعة نقلة نوعية في السنوات القادمة تجعلها محصولًا استراتيجيًا على مستوى المملكة؟ هذا ما ستكشفه لنا الأيام القادمة.











