العلاقات السعودية الصينية: شراكة استراتيجية متنامية
تمثل العلاقات السعودية الصينية محورًا هامًا في السياسة الخارجية لكلا البلدين، حيث بدأت كروابط تجارية بسيطة تخدم الحجاج الصينيين، لتتطور في عام 1410هـ/1990م إلى علاقات دبلوماسية كاملة وتبادل السفراء. تعكس هذه العلاقات رؤية المملكة العربية السعودية في بناء شراكات متنوعة مع دول العالم، بما يخدم مصالحها ويحقق مبادئها.
أول زيارة ملكية سعودية للصين
في خطوة تاريخية، قام الملك عبدالله بن عبدالعزيز بزيارة إلى الصين في 22 ذي الحجة 1426 هـ/22 يناير 2006م. كانت هذه الزيارة الأولى له خارج منطقة الشرق الأوسط منذ توليه الحكم في 2005م، والأولى لملك سعودي منذ إقامة العلاقات الدبلوماسية. تم خلالها توقيع خمس اتفاقيات للتعاون في المجالات الاقتصادية، والثقافية، والعلمية، بالإضافة إلى التعاون في قطاعات النفط، والغاز، والمعادن.
تعزيز الشراكة الاستراتيجية
شهد عام 1429هـ/2008م نقلة نوعية في العلاقات بين البلدين، حيث تم الإعلان عن إقامة صداقة استراتيجية تهدف إلى تعزيز التعاون في مختلف المجالات، بما في ذلك السياسة، والاقتصاد، والتجارة، والثقافة، والأمن، والطاقة، على المستويين الإقليمي والدولي.
تبادل الزيارات الرسمية
زيارات سعودية للصين:
- أكتوبر 1419هـ/1998م: زيارة الملك عبدالله بن عبدالعزيز (حين كان وليًا للعهد).
- 1420هـ/1999م: زيارة الملك سلمان بن عبدالعزيز (حين كان أميرًا للرياض).
- 1426هـ/2006م: زيارة الملك عبدالله بن عبدالعزيز.
- 1435هـ/2014م: زيارة الملك سلمان (حين كان وليًّا للعهد).
- 1437هـ/2016م: زيارة الأمير محمد بن سلمان (حين كان وليًا لولي العهد).
- 1438هـ/2017م: زيارة الملك سلمان.
- 1440هـ/2019م: زيارة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان.
زيارات صينية للسعودية:
- 1420هـ/1999م: زيارة الرئيس الصيني جيانج زيمين.
- 1427هـ/2006م: زيارة الرئيس هو جينتاو.
- 1430هـ/2009م: زيارة الرئيس الصيني هو جينتاو.
- 1437هـ/2016م: زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج.
- 1444هـ/2022م: زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج.
مجالات التعاون المتنوعة
شهدت العلاقات السعودية الصينية نموًا في مختلف المجالات، وفي عام 1437هـ/2016م، تم تأسيس لجنة سعودية – صينية مشتركة رفيعة المستوى. أسفرت الاجتماعات الأولى عن توقيع 15 اتفاقية ومذكرة تفاهم، شملت قطاعات الطاقة، وتخزين الزيوت، والإسكان، والتعدين، والموارد المائية، بالإضافة إلى اتفاقيات لتمويل مشاريع إعادة الإعمار والتنمية.
تعتبر السعودية والصين دولتين حليفتين استراتيجيتين، وقد وقعتا اتفاقية للتعاون الاقتصادي ضمن مبادرة الحزام والطريق. وتشمل الاتفاقيات المبرمة بين البلدين مجالات اقتصادية، وتكنولوجية، ونفطية، وصناعية، وعسكرية، وتعليمية متنوعة.
وفي عام 1444هـ/2022م، تم توقيع 12 اتفاقية ومذكرة تفاهم حكومية في مجالات الطاقة الهيدروجينية، والقضاء، وتعليم اللغة الصينية، والإسكان، والاستثمار المباشر، والإذاعة والتلفزيون، والاقتصاد الرقمي، والتنمية الاقتصادية، والتقييس، والتغطية الإخبارية، والإدارة الضريبية، ومكافحة الفساد. كما تم توقيع اتفاقيات بين القطاعين الحكومي والخاص، وبين الشركات في البلدين.
ولتعزيز العلاقات الاقتصادية، تم تأسيس صندوق سعودي – صيني لدعم الشركات التقنية الناشئة في المملكة، برأسمال يبلغ 1.5 مليار ريال، بشراكة بين eWTp الصينية وصندوق الاستثمارات العامة، وبدعم من الاتحاد السعودي للأمن السيبراني والبرمجة والدرونز.
التبادل التجاري المتزايد
شهد التبادل التجاري بين البلدين نموًا ملحوظًا، فمنذ تأسيس العلاقات الدبلوماسية، ارتفع حجم التجارة الثنائية من 500 مليون دولار في عام 1990م إلى ثلاثة مليارات دولار في عام 2000م، ثم إلى 88 مليار دولار في عام 2021م، مما يعكس تطورًا كبيرًا في الشراكة الاقتصادية.
وفي عام 2022م، بلغ حجم التبادل التجاري 106.1 مليارات دولار، مما يمثل نموًا بأربعة أضعاف مقارنة بنمو تجارة الصين مع العالم.
وخلال النصف الأول من عام 2022م، احتلت المملكة المرتبة الأولى كوجهة للاستثمارات الصينية الخارجية، حيث بلغت حصتها 5.5 مليارات دولار من إجمالي الاستثمارات الصينية الخارجية.
الروابط الثقافية والتعليمية
تتنامى الروابط الثقافية والتعليمية بين المملكة والصين، حيث يزور الصين سنويًا أكثر من 20 ألف مواطن سعودي للسياحة والعمل والدراسة، بينما يقدر عدد الجالية الصينية في المملكة بنحو 20 ألف نسمة. تدرس اللغة العربية في 40 جامعة صينية، وافتتحت مكتبة الملك عبدالعزيز فرعًا لها في جامعة بكين في عام 2018م، وفي عام 2019م، أُدخلت مادة اللغة الصينية إلى المناهج الدراسية في العديد من المدارس السعودية.
شهدت العلاقات الثقافية تطورًا ملحوظًا، حيث أقيم معرض روائع آثار المملكة في بكين، ومعرض الآثار الثقافية الصينية في الرياض، بالإضافة إلى افتتاح فرع لمكتبة الملك عبدالعزيز في جامعة بكين.
التعاون في السياحة والتعليم
بدأ تدريس اللغة الصينية في الجامعات والمدارس السعودية، بينما تدرس اللغة العربية في 44 جامعة صينية. ووقعت وزارة السياحة مذكرة تفاهم مع الذراع التقنية لمجموعة علي بابا لتوفير تجارب سياحية متميزة للزوار الصينيين، والترويج للمملكة كوجهة سياحية في السوق الصينية.
تستهدف المملكة السوق الصينية كواحدة من الأسواق الدولية الهامة، ويجري تعزيز الوصول إليها من خلال توفير رحلات مباشرة من أربع مدن صينية رئيسة إلى الرياض، وجدة، والدمام. وقد نمت السعة الإجمالية للمقاعد بين السعودية والصين بنسبة 52٪ بين عامي 2023م و2024م.
وقادت منظومة السياحة في المملكة جهودًا ثنائية للاستعداد لاستقبال السياح من الصين، عبر إطلاق برنامج وي شات المصغر، وتأهيل المرشدين السياحيين المتحدثين باللغة الصينية، وإطلاق النسخة الصينية من روح السعودية، وإضافة اللغة الصينية في مركز العناية بالسياح (930)، وتوفير حلول الدفع التي تلائم السائح الصيني.
جائزة الأمير محمد بن سلمان للتعاون الثقافي
تعزيزًا للعلاقات المعرفية والاجتماعية، أُعلنت في 21 فبراير 2019م جائزة الأمير محمد بن سلمان للتعاون الثقافي بين المملكة العربية السعودية وجمهورية الصين الشعبية، لتكريم المتميزين من الأكاديميين واللغويين والمبدعين من كلا البلدين.
تتولى مكتبة الملك عبدالعزيز العامة في جامعة بكين تنظيم الجائزة، وتتكون من شهادة تقديرية، ومبلغ 375 ألف ريال، وميدالية تذكارية. تشمل الجائزة فروعًا عدة، مثل أفضل اختراع أو بحث علمي باللغة العربية، وأفضل عمل فني وإبداعي، وأفضل كتاب مترجم من العربية إلى الصينية، وشخصية العام التي خدمت الثقافة والمعرفة.
وتعد الجائزة امتدادًا لجهود ثقافية سابقة، حيث دشّنت مكتبة الملك عبدالعزيز العامة المهرجان السنوي للفنون العربية بجامعة بكين عام 2017م.
وفي النهايه:
تستمر العلاقات السعودية الصينية في النمو والتطور، مدفوعة برؤية استراتيجية تهدف إلى تعزيز التعاون في مختلف المجالات. هذه الشراكة، التي بدأت بروابط تجارية متواضعة، أصبحت اليوم نموذجًا للعلاقات الدولية القائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة. يبقى السؤال مفتوحًا حول إلى أي مدى يمكن أن تصل هذه العلاقة الاستراتيجية في المستقبل، وما هي الإمكانيات الجديدة التي يمكن استكشافها لتعزيز الشراكة بين البلدين. يتابع سمير البوشي من بوابة السعودية هذا التطور باهتمام، محللًا أبعاده وتأثيراته على المنطقة والعالم.











