حلول مبتكرة: تقنيات تحلية المياه في السعودية
تعتمد المملكة العربية السعودية على تقنيات تحلية المياه لتأمين مصادر المياه العذبة الضرورية. بدأت هذه المسيرة بإنشاء أول وحدة تحلية مياه برية في جدة عام 1324هـ/1907م، والتي عُرفت باسم “الكنداسة”، وهي كلمة مشتقة من اللاتينية تعني “المكثف”. كانت هذه الوحدة تعمل بالفحم الحجري، وهي تقنية شائعة الاستخدام في السفن التجارية والعسكرية في ذلك الوقت لتكثيف وتقطير المياه المالحة وتحويلها إلى مياه عذبة.
تطور مشاريع تحلية المياه في السعودية
مع تزايد أعداد الحجاج والمعتمرين في جدة وارتفاع استهلاك المياه، استوردت السعودية في عام 1344هـ/1926م مجموعتين كبيرتين من آلات تحلية المياه. وفي عام 1384هـ/1965م، تأسست الإدارة العامة لتحلية المياه المالحة، التي كانت تابعة لوزارة الزراعة والمياه في جدة. وشهد عام 1388هـ/1969م إنشاء محطتي تحلية المياه في الوجه وضباء، تبع ذلك إنشاء محطة جدة، ثم محطة الخبر في عام 1392هـ/1973م.
المؤسسة العامة لتحلية المياه المالحة: رؤية واستدامة
في عام 1394هـ/1974م، صدر مرسوم ملكي بإنشاء المؤسسة العامة لتحلية المياه المالحة (والتي تعرف حاليًا بالهيئة السعودية للمياه). كان الهدف من إنشائها هو إدارة محطات التحلية المنتشرة في أنحاء المملكة، وتوفير المياه العذبة للمواطنين والمقيمين، بالإضافة إلى إنشاء محطات جديدة لتلبية الطلب المتزايد.
يبلغ عدد محطات تحلية المياه في السعودية حوالي 33 محطة، موزعة على السواحل الغربية والشرقية. ووفقًا لإحصاءات عام 2020م، يبلغ متوسط إنتاج المملكة من المياه المحلاة يوميًا 7.9 ملايين م3، حيث تنتج المؤسسة العامة لتحلية المياه المالحة 5.9 ملايين م3، وهو ما يمثل 74.6% من إجمالي الإنتاج، بينما يساهم القطاع الخاص بنسبة 25.4%.
أنواع تقنيات تحلية المياه المستخدمة في السعودية
تعتمد محطات تحلية المياه في السعودية على مجموعة متنوعة من التقنيات، بما في ذلك:
- تقنية التبخير الوميضي المتعدد المراحل (MSF).
- تقنية التبخير بطريقة التأثير المتعدد المراحل (MED).
- تقنية التناضح العكسي (RO).
تهدف هذه التقنيات إلى فصل الأملاح وتعقيم المياه لتحويلها إلى مياه عذبة صالحة للشرب والاستخدام البشري، أو لإنتاج مياه مقطرة. وتسعى السعودية للوصول إلى إنتاج 9 ملايين م3 من المياه المحلاة يوميًا بحلول عام 2025م.
تقنية التبخير الوميضي المتعدد المراحل (MSF)
بدأت فكرة تقطير المياه تحت درجات ضغط منخفضة في أوائل الخمسينيات من القرن العشرين، حيث تتعرض المياه للغليان دون الحاجة إلى طاقة حرارية كبيرة. وقد استخدمت العديد من محطات التحلية تقنية التبخير الوميضي المتعدد المراحل، بقدرة تتراوح بين 4,000 و 30,000 م3 من المياه.
تعتمد هذه التقنية على تسخين مياه البحر في مبادل حراري يسمى السخان الملحي، مما يؤدي إلى إنتاج بخار يتكثف على أسطح أنابيب السخان الملحي. ثم تنتقل المياه الساخنة إلى وعاء ذي ضغط منخفض يسمى المبخر، مما يتسبب في غليان الماء وتحوله جزئيًا إلى بخار. تتكرر هذه العملية عدة مرات بمستويات ضغط مختلفة حتى تبرد المياه، مانحة حرارة التبخر اللازمة للغليان.
تعمل وحدات التحلية بهذه التقنية عند درجات حرارة تتراوح بين 90 و 120 درجة مئوية، ويعتبر الفرق في درجة الحرارة بين السخان الملحي وأبرد جزء في المحطة من أهم العوامل التي تؤثر على الكفاءة الحرارية للمحطة.
تقنية التبخير بطريقة التأثير المتعدد المراحل (MED)
تتشابه تقنية التبخير بالتأثير المتعدد المراحل مع تقنية التبخير الوميضي المتعدد المراحل. تتكون هذه التقنية من أجزاء متعددة، حيث تمر المياه المالحة المعالجة كيميائيًا عبر مجموعة من الأنابيب الأفقية في المبادل الحراري، والتي تعمل على تكثيف البخار لتشكيل مياه مقطرة. وبسبب الضغط المنخفض، ترتفع درجة غليان الماء وتحدث عملية فصل الأملاح، حيث تمر الأملاح عبر أنابيب خاصة بها، وتمر المياه المقطرة عبر أنابيب أخرى. تتكرر عمليتا التبخير والتكثيف بحسب عدد المؤثرات في النظام.
يُطلق على كل مرحلة من هذه التقنية اسم التأثير الأول، التأثير الثاني، وهكذا. وعلى الرغم من اختلاف عدد المؤثرات في الأنظمة، يجب أن تكون درجة حرارة وضغط كل تأثير تالٍ أقل من التأثير السابق. يعتمد عدد المؤثرات على القدرة والكفاءة الحرارية المطلوبة من النظام.
تقنية التناضح العكسي (RO)
تعتمد تقنية التناضح العكسي على فصل الماء عن محلول ملحي مضغوط من خلال غشاء، دون الحاجة إلى تسخين أو تغيير في الشكل. الطاقة المطلوبة للتحلية تستخدم لضغط مياه التغذية.
انتشرت هذه التقنية تجاريًا في السبعينيات، وتعتبر حديثة مقارنة بالتقطير. تتكون من أربع مراحل تبدأ بالمعالجة الأولية، حيث يتم تصفية المياه من العوالق والكائنات الحية لمنع ترسبها ونموها على الأغشية. ثم تمر المياه عبر قنوات ضيقة مع إضافة مواد كيميائية أو حامض. بعد ذلك، تمر المياه بالمرحلة الثانية، وهي تطبيق ضغط يسمح بمرور المياه فقط وإعاقة عبور الأملاح عبر الغشاء. يتراوح الضغط بين 54 و 80 بار لمياه البحر، وبين 17 و 27 بار لتنقية مياه الآبار.
تشتمل المرحلة الثالثة على مجمع الأغشية، الذي يتميز بقدرته على تحمل فارق الضغط في الوعاء، وحجز الأملاح، ونسبة مرور الماء العذب. تختلف أغشية التناضح العكسي بناءً على نوعية المياه المراد تحليتها. وعلى الرغم من عدم وجود غشاء مُحكم تمامًا، إلا أن هناك أمثلة لأغشية ناجحة تجاريًا مثل غشاء الشعيرات الدقيقة المجوفة واللوح الحلزوني.
تركز المرحلة الأخيرة على المحافظة على خواص الماء الكيميائية عن طريق إزالة الغازات مثل كبريتيد الهيدروجين، وتحسين قلوية المياه، وتجهيزه للتوزيع. خلال العقد الماضي، تطورت التقنية لتحسين كفاءة الغشاء ليعمل تحت ضغط منخفض، مما يفيد بشكل خاص في تحلية مياه الآبار. وبسبب اختلاف ضغط الماء الخارج من مضخة الضغط العالي ونقصانه من 1 إلى 4 بار، طورت وسائل استرجاع الطاقة لتحويل فارق الضغط إلى طاقة حركية.
استخدام الطاقة الشمسية في تحلية المياه المالحة
في نوفمبر 2018م، أطلق ولي العهد رئيس مجلس الوزراء صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز مشروع محطة الخفجي لتحلية المياه باستخدام الطاقة الشمسية. تصل القدرة الإنتاجية للمحطة إلى 90 ألف م3 من المياه المحلاة يوميًا، وقد نجح المشروع في خفض 40% من تكلفة المتر المكعب الواحد.
في 4 جمادى الآخرة 1441هـ/ 29 يناير 2020م، أعلنت شركة نيوم عن تبنيها مشروع بناء محطة لتحلية المياه بالاعتماد على تقنية القبة الشمسية، التي طورتها جامعة كرانفيلد في المملكة المتحدة. تعتمد هذه التقنية على تدفق المياه المالحة إلى قبة هيدرولوجية مصنوعة من الحديد الصلب والزجاج، حيث تُسخن المياه حتى تتبخر ثم تترسب منتجة مياهًا عذبة. تعمل القبة على تخزين الطاقة، مما يجعلها قادرة على العمل طوال اليوم.
تجمع تقنية القبة الشمسية بين مفهوم الاستدامة والحياد الكربوني بنسبة 100%، وتساهم في تقليل كميات المحلول الملحي الناتج من تحلية المياه، مما يقلل من الأضرار البيئية للأنظمة المجاورة. من المتوقع أن تكون تكلفة الإنتاج أقل من التقنيات الأخرى، وتقدر بـ 1.275 ريال لكل م3.
وفي النهايه:
تستمر المملكة العربية السعودية في تطوير وتبني تقنيات مبتكرة في مجال تحلية المياه، بهدف توفير مصادر مياه مستدامة وتقليل التكاليف والأضرار البيئية. من خلال الاستفادة من الطاقة الشمسية وتطوير تقنيات جديدة مثل القبة الشمسية، تسعى المملكة لتحقيق الاكتفاء الذاتي من المياه وتلبية احتياجاتها المتزايدة في ظل التحديات المناخية والبيئية. هل ستنجح هذه الجهود في تحقيق مستقبل مائي مستدام للمملكة؟ هذا ما ستكشفه لنا التطورات المستقبلية في هذا المجال الحيوي.











