مهرجان الدوخلة الوطني: احتفاء بالتراث والثقافة في القطيف
مهرجان الدوخلة الوطني، فعالية تراثية وثقافية اجتماعية مميزة، تُقام سنويًا خلال أيام عيد الأضحى المبارك على الواجهة البحرية لبلدة سنابس في محافظة القطيف بالمنطقة الشرقية للمملكة العربية السعودية. بدأت فعالياته للمرة الأولى في عام 1425هـ الموافق 2004م، بتنظيم من اللجنة الاجتماعية في سنابس، وبدعم سخي من بلدية محافظة القطيف.
أصل الفكرة: إحياء لتراث الأجداد
تستلهم فكرة مهرجان الدوخلة الوطني من التراث الخليجي العريق، حيث يتم إحياء عادة رمي الأطفال “الدوخلات” في مياه الخليج العربي خلال أيام عيد الأضحى. والدوخلة عبارة عن وعاء مصنوع من خوص سعف النخيل، تُزرع بداخله نباتات متنوعة مثل القمح والشعير. يصاحب هذه العادة أهازيج تراثية يعبر فيها الأطفال عن تمنياتهم بالسلامة للحجاج، وخاصةً أقاربهم الذين توجهوا إلى مكة المكرمة لأداء فريضة الحج. ومن بين كلمات هذه الأهزوجة: “دوخلتي حجي بي، ليمن يجي حبيبي، حبيبي راح مكة، ومكة المعمورة، فيها السلاسل والذهب والنورة”.
إقبال جماهيري واسع
يستقطب المهرجان أعدادًا كبيرة من الزوار، خاصةً مع تزامن موعده مع إجازة عيد الأضحى المبارك. ويجذب المهرجان سكان محافظات ومدن المنطقة الشرقية، بالإضافة إلى الزوار القادمين من مناطق أخرى في المملكة العربية السعودية ودول الخليج العربي. وقد بلغ متوسط عدد زوار المهرجان حوالي 22 ألف زائر يوميًا.
أهداف المهرجان: رؤية متكاملة
يهدف مهرجان الدوخلة الوطني إلى تحقيق مجموعة من الأهداف النبيلة، من بينها:
- الاحتفاء بعيد الأضحى بصورة جماعية ومنظمة، تعكس روح التآلف والتكاتف الاجتماعي.
- إحياء الموروث الشعبي الغني للمنطقة الشرقية، والحفاظ عليه للأجيال القادمة.
- التعريف بتاريخ وتراث وثقافة المنطقة الشرقية بشكل خاص، والمملكة العربية السعودية بشكل عام.
- تشجيع ودعم الإنتاج المحلي للمنطقة، من خلال التعريف بالمنتجات المحلية والمنتجين المبدعين.
- توفير منافذ احتفالية وترفيهية وسياحية متنوعة، تلبي احتياجات مختلف شرائح المجتمع.
- تشجيع المواهب المحلية في مختلف المجالات الرياضية والفنية والمهنية والمسرحية.
- تطوير وتنمية المهارات الفردية والجماعية للمشاركين في التنظيم، من خلال إشراكهم في البرامج والفعاليات المتنوعة التي يعتمد عليها المهرجان.
- التشجيع على الانخراط في العمل التطوعي والاجتماعي، وتعزيز قيم المسؤولية المجتمعية. وقد وصل عدد المتطوعين في عام 1437هـ الموافق 2016م إلى 1120 متطوعًا ومتطوعة.
فعاليات متنوعة: تجربة ثقافية متكاملة
تُقام فعاليات مهرجان الدوخلة الوطني في القرية التراثية، التي يتم تشييدها خصيصًا لهذا الغرض خلال فترة شهرين، على مساحة تقدر بحوالي 3200 متر مربع، ثم يتم تفكيكها بعد نهاية المهرجان. وتتضمن القرية فعاليات ثقافية وعلمية ومعرفية متنوعة، بالإضافة إلى المحاضرات والندوات الفكرية والفنون والحوارات الهادفة، واستعراض التجارب الناجحة.
إحياء التراث البحري
يقدم المهرجان فعاليات تراثية وترفيهية وثقافية وأدبية مستوحاة من التراث البحري الغني للمنطقة الشرقية، مثل:
- ركن الخبابان للتراث البحري، الذي يعرض الأدوات والمعدات التي كان يستخدمها الأجداد في رحلات الغوص والصيد.
- البيوت القديمة، التي تجسد نمط الحياة التقليدي في المنطقة.
- الحرف اليدوية، التي تعكس مهارة وإبداع الحرفيين المحليين.
- مجلس النوخذة، الذي يستعيد أجواء المجالس البحرية القديمة.
عروض فنية وأدبية
بالإضافة إلى ذلك، يتضمن المهرجان أوبريت فني يقام في الهواء الطلق، وساحة ألعاب هوائية للأطفال، وعروض للخيول في عرض البحر، وأمسيات شعرية يشارك فيها نخبة من الشعراء، ومسرحيات متنوعة، وعروض للألعاب البهلوانية.
معارض ثقافية متنوعة
يحرص المهرجان على عرض مصاحف نادرة من المخطوطات الأثرية المحلية والعالمية، التي تبرز الحقب التاريخية المختلفة التي مرت بها مراحل تدوين المصاحف لحفظ كتاب الله. كما يقام في المهرجان معرض لجمعية الخط العربي في القطيف، وعرض لكسوة الكعبة المشرفة، وتجليد المصاحف، ومعرض للوحات والآيات والزخارف القرآنية، بالإضافة إلى معارض تشكيلية وفوتوغرافية.
فعاليات خاصة بالأطفال
يوفر المهرجان فعاليات موجهة للأطفال، مثل الخيمة التعليمية، التي تهدف إلى تعريفهم بمفهوم القيادة الآمنة، وقواعد السلامة، وإرشادات وأخلاقيات الطريق، بالإضافة إلى اختبارات للحصول على رخصة القيادة.
توعية صحية وزراعية
يتضمن المهرجان خيمة خاصة للتوعية الصحية، يتم فيها تقديم النصائح والإرشادات الطبية للزوار. كما يعرض المهرجان تقنيات حديثة في مجال الزراعة المائية، مثل تقنية الغشاء المغذي، وتقنية الزراعة بالحوض العميق، وتقنية الزراعة الهوائية، وتقنية الزراعة الرأسية، وتقنية الزراعة بالأسماك.
وفي النهايه:
مهرجان الدوخلة الوطني ليس مجرد احتفال سنوي، بل هو تجسيد حي لتراث وثقافة المنطقة الشرقية، وفرصة للتواصل الاجتماعي والتفاعل الثقافي، ومنصة لدعم المواهب المحلية وتشجيع الإبداع. فهل سيستمر هذا المهرجان في التطور والازدهار، ليصبح علامة فارقة في المشهد الثقافي السعودي؟






