الهيئة العامة للأوقاف في السعودية: تنظيم وتنمية مستدامة
تأسست الهيئة العامة للأوقاف كهيئة حكومية ذات شخصية اعتبارية مستقلة ماليًا وإداريًا بموجب قرار مجلس الوزراء في عام 1431هـ (2010م). ترتبط الهيئة تنظيميًا برئيس مجلس الوزراء مباشرة، وتضطلع بمهمة تنظيم الأوقاف في المملكة العربية السعودية، مع التركيز على الحفاظ عليها وتطويرها وتنميتها. يهدف ذلك إلى تحقيق شروط الواقفين، وتعزيز دور الأوقاف في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، والتكافل الاجتماعي، وذلك وفقًا لمقاصد الشريعة الإسلامية والأنظمة المرعية.
مسيرة تطور نظام الأوقاف في السعودية
مر القطاع الوقفي في المملكة العربية السعودية بمراحل تنظيمية ولوائح متعددة. البداية كانت في عام 1381هـ (1961م) مع إنشاء وزارة الحج والأوقاف. تبع ذلك صدور نظام مجلس الأوقاف الأعلى في عام 1386هـ (1966م)، ثم لائحة تنظيم الأوقاف الخيرية في عام 1393هـ (1973م). في مرحلة لاحقة، عام 1414هـ (1993م)، أُلحقت مسؤولية الأوقاف بوزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد. وصولًا إلى عام 1431هـ (2010م)، صدر قرار مجلس الوزراء بإنشاء الهيئة العامة للأوقاف، وتم اعتماد نظامها في 26 صفر 1437هـ (9 ديسمبر 2015م).
التوجه الاستراتيجي للهيئة نحو رؤية 2030
تتبنى الهيئة العامة للأوقاف استراتيجية طموحة ترتكز على أن تكون الممكن الأساسي لقطاع الأوقاف، وداعمًا لتحقيق رؤية السعودية 2030. يتم ذلك من خلال الإسهام الفعال في سد احتياجات المجتمع، وتوجيه مصارف الأوقاف نحو برامج ومبادرات تعود بالنفع على المجتمع. إضافةً إلى ذلك، تعمل الهيئة على تطوير قطاع الأوقاف وتمكينه لتحقيق الاستدامة المالية، وذلك عبر رفع مستوى الحوكمة من خلال إصدار أنظمة تشريعية تتلاءم مع الاحتياجات المتجددة.
تتولى الهيئة مسؤولية تنظيم الأوقاف وحصرها وتسجيلها والحفاظ عليها، بالإضافة إلى اتخاذ الإجراءات اللازمة لتنميتها تحقيقًا لشروط الواقفين. كما تدعم دور الأوقاف في التنمية الاجتماعية والاقتصادية والتكافل الاجتماعي. تسعى الهيئة أيضًا إلى تنويع مصادر الدخل للجهات غير الربحية، واستقطاب واقفين جدد، ورفع مستوى الوعي بالقطاع وأهمية دوره، مما يسهم في تطوير بيئة الأعمال الوقفية.
ركائز استراتيجية الهيئة العامة للأوقاف
تستند استراتيجية الهيئة العامة للأوقاف إلى خمس ركائز أساسية لتحقيق أهدافها:
-
تطوير الأنظمة وحوكمة قطاع الأوقاف: حققت الهيئة عدة إنجازات في هذا المجال، منها إصدار لائحة تنظيم أعمال النظارة، وقواعد الإبلاغ عن الأوقاف المجهولة، ولائحة إنشاء المحافظ الاستثمارية الوقفية، وقواعد معالجة المخالفات.
-
توجيه المصارف إلى برامج ومبادرات تفيد المجتمع: أنشأت الهيئة عددًا من المحافظ التي تستهدف تلبية الاحتياجات المجتمعية التنموية، مثل محفظة ضيوف الرحمن لخدمة قاصدي الحرمين الشريفين، وتطويع التقنية الحديثة واستثمارها بما يحقق شروط الواقفين، ومحفظة خاصة لترميم المساجد وصيانتها، بالإضافة إلى محافظ متنوعة مرتبطة بقطاعات رئيسة مثل البيئة والمياه والإسكان والتعليم.
-
تنمية قطاع الأوقاف: تسعى الهيئة إلى رفع مستوى الوعي بأهمية القطاع في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتطوير بيئة العمل الوقفي.
-
تنويع مصادر الدخل: تعمل الهيئة على تحقيق النمو والاستدامة المالية، وتعزيز مواردها المالية من خلال مبادرات وبرامج متنوعة.
-
تعزيز التميز المؤسسي: يشمل بناء القدرات المؤسسية للهيئة وتأسيس وتطوير إطار الحوكمة الداخلي.
شركة أوقاف للاستثمار: الذراع الاستثماري للهيئة
أنشأت الهيئة العامة للأوقاف شركة أوقاف للاستثمار لتكون الذراع الاستثماري لها. تعمل الشركة كمساهمة مغلقة، وتسهم في تنمية الأوقاف، ورفع كفاءة استثمارها، وضمان استدامة عوائدها.
يعمل الذراع الاستثماري للهيئة على تطوير آليات الاستثمار للأوقاف التي تديرها الهيئة، وتنويع المحفظة الاستثمارية، وتطوير استراتيجية الاستثمار، وذلك بإدارة وتشغيل الأوقاف التابعة للهيئة وتطويرها لصالح الوقف، وتوفير حلول استثمارية متكاملة للقطاع غير الربحي، وتطوير منتجات استثمارية مبتكرة تلبي احتياجاته والإسهام في تمكين وجذب استثمارات جديدة، وشركاء استراتيجيين للقطاع غير الربحي. وتقدم الشركة خدماتها في: إدارة عقارات الأوقاف وتسويقها، والاستثمار والتطوير العقاري للأوقاف، والاستثمار في الأدوات والمنتجات المالية، وتقديم الاستشارات والدراسات بالاستثمار الخاص بالقطاع الوقفي.
مركز الريادة الوقفي: تمكين وتطوير القطاع الوقفي
بهدف تطوير مكوّنات القطاع الوقفي، أسست الهيئة العامة للأوقاف مركز الريادة الوقفي. يهدف المركز إلى تمكين القطاع الوقفي وبناء قدراته معرفيًا وبحثيًا، وتعزيز الأثر التنموي، وتطوير مكوّنات المنظومة الوقفية من خلال تطوير الأبحاث، ومجموعات البيانات، وطرح الحلول؛ لتحقيق تطلعات قطاع الأوقاف في السعودية، وتعظيم أثر الوقف باستخدام المعايير المبنيّة على المعرفة.
كما يتولى المركز إدارة المعرفة في قطاع الأوقاف، ودعم آليات التبادل المستمر للمعرفة والحضور الدولي، ورفع الوعي المؤسسي والمجتمعي، والمساهمة في جذب واقفين جدد؛ من خلال البحوث والدراسات الوقفية، ومقترحات الأنظمة والسياسات، والتدريب والنشر المعرفي المتخصص، ونشر التقارير الدورية، وإقامة الندوات والمؤتمرات العلمية، والحلول والمنتجات التطويرية.
و أخيرا وليس آخرا:
تجسد الهيئة العامة للأوقاف في المملكة العربية السعودية نموذجًا مؤسسيًا متكاملًا يهدف إلى تنظيم وتنمية الأوقاف، وتعزيز دورها في خدمة المجتمع والاقتصاد الوطني. من خلال استراتيجياتها الطموحة ومبادراتها المتنوعة، تسعى الهيئة إلى تحقيق الاستدامة المالية للقطاع الوقفي، وتوجيه مصارفه نحو تحقيق أهداف التنمية المستدامة ورؤية 2030. يبقى السؤال مفتوحًا حول كيف يمكن لهذه الجهود أن تتكامل مع مبادرات مماثلة في العالم الإسلامي لتحقيق أقصى فائدة من الأوقاف في خدمة الإنسانية جمعاء؟









