تربية المواشي في السعودية: تاريخ عريق ومستقبل واعد
تربية المواشي في السعودية، من أغنام وأبقار وإبل وغيرها من الثدييات العاشبة المستأنسة، تمثل جزءًا لا يتجزأ من التراث والاقتصاد الوطني. تُربى هذه الحيوانات في الغالب للحومها وألبانها، بالإضافة إلى منتجاتها المتنوعة من الصوف والجلود، ولا يقتصر دورها على ذلك، بل تتعداه إلى الاستئناس، واستخدام بعضها في التنقل كالجمال، وكذلك في التجارة والأغراض الزراعية.
تربية المواشي عبر الثقافات والفترات الزمنية
تُعرّف المواشي عالميًا بأنها حيوانات مستأنسة تُربى في بيئة زراعية لإنتاج السلع المختلفة. وقد ارتبطت تربية المواشي، في العديد من الثقافات منذ فجر الزراعة، بأنماط الحياة الزراعية. وعلى مر العصور، تنوعت أساليب تربية المواشي، لكنها ظلت تحتل مكانة اقتصادية وثقافية بارزة في العديد من المجتمعات.
الأهمية الثقافية لتربية المواشي في السعودية
لطالما كانت الإبل رمزًا لتربية المواشي في شبه الجزيرة العربية، والمملكة العربية السعودية على وجه الخصوص. طورت الإبل قدرات فريدة للتكيف مع البيئة الصحراوية القاسية، وأصبحت تربيتها مصدر رزق ثابت في المناطق الجافة. ارتبطت ممارسات تربية المواشي، خاصة الإبل والأغنام، بشكل وثيق بثقافة المعيشة لدى العديد من العائلات السعودية قديمًا، حيث كانت تعتمد عليها في الغذاء والتجارة. كما ازدهرت أسواق المواشي في الأسواق الشعبية السعودية تاريخيًا، جنبًا إلى جنب مع السلع المرتبطة بها كالمواد الغذائية والملابس والمصنوعات اليدوية.
تصنيف تربية المواشي في السعودية
تعتبر تربية الإبل جزءًا من التراث الشعبي غير المادي وفقًا لتصنيف وزارة الثقافة، وترتبط بالعديد من الأنشطة والمجالات السياحية الثقافية والتراثية. تسعى الوزارة للحفاظ على هذا التراث وتأهيله وتنميته. ويجسد عام الإبل الذي أطلقته وزارة الثقافة في 2024م، الاحتفاء بالقيمة الثقافية الفريدة التي تمثلها الإبل في حياة أبناء الجزيرة العربية والسعودية. تُربى المواشي بشكل جماعي في مناطق متنوعة من السعودية، بما في ذلك المناطق القاحلة والصحراوية، حيث يقوم المزارعون ببناء الأسوار والمساكن والحظائر لحماية ممتلكاتهم، مع توفير المياه والأعلاف ومكافحة الآفات.
مناطق تربية المواشي في السعودية
تتنوع أساليب تربية الأغنام في السعودية، حيث تُربى في مزارع مخصصة لتربية المواشي أو الحيوانات الداجنة، وحتى في مزارع أخرى لم تصمم أساسًا لهذا الغرض.
الأراضي المناسبة لتربية المواشي في السعودية
تتوفر في العديد من المناطق الإدارية في السعودية أراضٍ زراعية مناسبة لتربية المواشي، وقد يكون هذا النشاط هو السائد في بعضها. تزدهر تربية المواشي في سهول مناطق جنوب غرب المملكة، مثل الباحة وعسير، حيث ينتشر النشاط الزراعي في المرتفعات المدرجة والجبال المغطاة بأشجار العرعر، بالإضافة إلى مزارع الفاكهة والحبوب والأعلاف.
مهنة تربية المواشي في السعودية
تُعد مهنة تربية المواشي مهنة رسمية في السعودية، ويُطلق على ممارسها “مربي الماشية”. يرتكز عمل المربي على تربية الماشية وفقًا للسياسات المنظمة لذلك، مع الالتزام بإجراءات الصحة والسلامة والبيئة والصحة العامة.
مهام مربي الماشية
تتضمن مهام مربي الماشية اختيار الحيوانات ومزاوجتها والتلقيح الاصطناعي، وتحديد أعداد وأنواع الحيوانات المراد تربيتها، وحفظ سجلات التربية والأنساب، وتسجيل المعلومات المتعلقة بالأوزان وأنماط النمو والوجبات الغذائية. كما يقوم المربي بأداء المهام المرتبطة بالإنتاج، مثل حلب الأبقار أو جز صوف الأغنام أو تدريب الخيول، والتعامل مع المنتجات وتخزينها وبيعها ونقلها للعملاء. يشترط في مربي الماشية الحصول على شهادة المرحلة المتوسطة كحد أدنى، وامتلاك الجدارات السلوكية والفنية اللازمة.
خدمات وبرامج لدعم تربية المواشي في السعودية
يقدم صندوق التنمية الزراعية خدمات تمويلية لمربي الماشية، من خلال برنامج دعم صغار مربي الماشية، الذي يندرج ضمن برامج التنمية الريفية الزراعية المستدامة، التي تهدف إلى تعظيم الاستفادة من دعم الغذاء.
القروض التنموية التشغيلية لمربي المواشي
يوفر صندوق التنمية الزراعية قروضًا تنموية تشغيلية لصغار مربي الماشية المسجلين لدى وزارة البيئة والمياه والزراعة، ممن يمتلكون ما بين 50 و 250 رأسًا، وغير الموظفين في القطاعين الخاص والعام، ولا تقل أعمارهم عن 21 سنة. يشترط البرنامج حضور ورشة تعريفية في مجال تربية الماشية للحصول على التمويل.
لجنة مربي المواشي في السعودية
أسست وزارة البيئة والمياه والزراعة في عام 1437هـ/2016م لجنة لمربي الماشية لرسم السياسات المتعلقة بتربية المواشي وإيجاد حلول للمعوقات التي تواجههم، وتوجيه ملاك المواشي نحو الحصول على موافقة على تأجير الأراضي، وتخصيص أراضٍ حول المدن والقرى لإقامة مجمعات لتربية المواشي، وتقديم الخدمات البيطرية.
دعم تربية المواشي في السعودية
تدعم وزارة البيئة والمياه والزراعة مهنة مربي المواشي وأصحاب المشاريع من خلال صندوق التنمية الزراعية، وذلك لتعزيز تربية المواشي بشكل مهني، وتحديد مواصفات فنية للأعلاف، ومراقبة جودتها بالتعاون مع الهيئة العامة للغذاء والدواء. كما حددت الوزارة تسعيرة موحدة للأدوية البيطرية، ووجهت بضرورة كتابة معلومات الأدوية باللغة العربية، وربطت مربي الماشية ببوابة خدمات الثروة الحيوانية الإلكترونية، وتقديم الخدمات الميدانية لهم.
ضوابط استيراد المواشي الحية في السعودية
أعلنت وزارة البيئة والمياه والزراعة في عام 1440هـ/2019م عن 10 ضوابط وآليات جديدة لاستيراد المواشي الحية، تضمنت تحديد أوزان قياسية لكل رأس من الماشية، بهدف تقليل استنزاف الأعلاف والحد من انعكاسات إيقاف زراعة الأعلاف الخضراء. تخضع عملية استيراد المواشي في السعودية لشروط الحصول على إذن الاستيراد، وتطبيق الاشتراطات الصحية في بلد المصدر، والإجراءات المحجرية في منافذ الدخول، وإثبات تطبيق برنامج الاستدامة البيئية.
أعداد المواشي في السعودية
وفقًا لنتائج مسح الإنتاج الزراعي لعام 2018م، بلغ إجمالي عدد الضأن في الحيازات الزراعية في السعودية 9,396,449 رأسًا، وعدد الماعز 3,607,524 رأسًا، وعدد الإبل 487,823 رأسًا، وعدد الأبقار 30,891 رأسًا.
و أخيرا وليس آخرا
تتجلى أهمية تربية المواشي في السعودية في كونها جزءًا من التراث الثقافي والاقتصاد الوطني، حيث توفر الغذاء والمنتجات المتنوعة، وتسهم في دعم سبل العيش في المناطق الريفية. ومع الدعم الحكومي المستمر وتطوير السياسات والبرامج، يتوقع أن تشهد تربية المواشي في السعودية تطورًا وازدهارًا مستمرًا، فهل ستنجح الجهود المبذولة في تحقيق الاكتفاء الذاتي من المنتجات الحيوانية وتعزيز الأمن الغذائي في المملكة؟











