أبو عريش: مدينة تاريخية في قلب جازان
تتألق منطقة جازان بتاريخ عريق، وتضم بين جنباتها مدنًا وقرىً شهدت على مر العصور أحداثًا وتحولات هامة. ومن بين هذه المدن، تبرز أبو عريش كمدينة تاريخية ذات أهمية خاصة، حيث كانت ولا تزال مركزًا حيويًا في المنطقة.
أبو عريش: موقع استراتيجي وتاريخ عريق
أبو عريش هي محافظة سعودية تتبع منطقة جازان، وتقع تحديدًا في الجزء الجنوبي الغربي من المملكة العربية السعودية. تتميز بموقعها الاستراتيجي شرق مدينة جازان، عند تقاطع خط الطول 42.30 مع خط العرض 16.30.
عرفت أبو عريش قديمًا باسم درب النجا، واكتسبت هذه التسمية كونها كانت عاصمة المخلاف السليماني في أوائل القرن السابع الهجري. تاريخ المدينة يعود إلى القرن الرابع الهجري، حيث كانت محطة مهمة على طريق الحجاج.
أهمية أبو عريش عبر التاريخ
يمكن تتبع نشأة أبو عريش وتاريخها من خلال دراسة المخلاف السليماني للمؤرخ والأديب الراحل محمد أحمد عيسى العقيلي، الذي ذكر أن أول من احتضنها هم آل الحكمي وآل جبريل، وأنها كانت موجودة قبل ذلك بكثير تحت اسم “درب النجا”. تكتسب المدينة أهمية كبيرة لربطها العديد من المحافظات عبر شبكة من الطرق الإقليمية، فهي تقع في موقع مركزي بين محافظة أحد المسارحة جنوبًا، ومحافظة ضمد شمالًا، والعارضة شرقًا، وإمارة جازان غربًا.
معالم أبو عريش التاريخية والأثرية
تضم أبو عريش العديد من المعالم التاريخية والأثرية التي تشهد على عراقتها وأهميتها عبر العصور، ومن أبرز هذه المعالم:
قلعة أبو عريش (قلعة دار النصر)
تعتبر قلعة أبو عريش، أو قلعة دار النصر، من أبرز المعالم التاريخية في المنطقة. تقع القلعة في وسط محافظة أبو عريش، وهي حصن عسكري مبني على الطراز التركي. تتميز بتصميمها المربع الذي يبلغ طول ضلعه 40 مترًا، وتدعمها أبراج دائرية في جميع الزوايا. يحتوي الجزء العلوي من جدارها الخارجي على فتحات كانت تستخدم للتحكم والدفاع.
تاريخ القلعة في الكتب القديمة
ورد ذكر قلعة أبي عريش في كتاب العقيق اليماني، حيث ذكر أنه في عام 989 هـ، خرج الأمير التركي جعفر إلى ناحية المسارحة وهزم، ثم واصل المسير حتى وصل إلى قلعة أبي عريش. وفي أحداث عام 990 هـ، ذكر الكتاب نفسه أن الأمير أحمد بن عيسى الطبي دخل مدينة أبي عريش محاربًا وحاصر الحامية التركية حتى استسلمت، وقام بتخريب القلعة.
ترميم القلعة وإهمالها
في سنة 991 هـ، قام الحاكم التركي لمنطقة جازان بترميم قلعة أبي عريش وإصلاحها بعد الخراب الذي لحق بها نتيجة الحروب في تلك الفترة. ظلت القلعة عامرة حتى نهاية الدولة العثمانية الأولى عام 1036 هـ، ثم توالت عليها الإصلاحات. بعد ذلك، طال القلعة الخراب والإهمال وانهارت أبنيتها. وفي عام 1354 هـ، حاول الشيخ عبد الله قاضي (أمير مالية جازان) تعمير القلعة، ولكنه توقف، وأصبحت القلعة أطلالًا بسبب كثرة الخراب الذي تعرضت له. وفي عام 1391 هـ، انهارت البوابة الرئيسية للقلعة بشكل تام.
المسجد الأعلى (مسجد القباب)
يُعد المسجد الأعلى، أو مسجد القباب، من أقدم مساجد أبو عريش التاريخية. يقع في أعلى المدينة القديمة أو في الحي الشرقي منها، ويُعتقد أن عمارته تعود إلى القرن الحادي عشر الهجري (السابع عشر الميلادي). كانت تقام فيه الصلاة حتى وقت قريب، قبل أن ينتقل الناس إلى الصلاة في مسجد حديث أنشئ بالقرب منه.
تصميم المسجد
تتكون عمارة المسجد من مبنى مستطيل الشكل تعلوه ثلاث قباب، أكبرها في الوسط، وتحفها من الشرق والغرب قبتان أخريان أصغر من القبة الوسطى. تقع المنارة في الجهة الجنوبية من المسجد. تهدمت القبة الغربية وبقيت القبتان الوسطى والشرقية، أما المنارة فقد تهدمت منذ زمن بعيد ولم يبق منها إلا موقعها الدال عليها من خلال سلم الصعود الذي يقود إليها وإلى سطح المسجد.
و أخيرا وليس آخرا
تعتبر أبو عريش مدينة ذات تاريخ عريق وأهمية استراتيجية في منطقة جازان. من خلال معالمها التاريخية كقلعة أبو عريش ومسجد القباب، يمكننا استشعار عظمة الماضي وأهمية الحفاظ على هذا التراث للأجيال القادمة. فهل ستشهد أبو عريش في المستقبل القريب ترميمًا لمعالمها وإعادة إحياء لدورها التاريخي؟








