مستقبل الاقتصاد العالمي في قمة العشرين بجوهانسبرج
مع اختتام أعمالها، تركت القمة الأولى لمجموعة العشرين التي انعقدت في إفريقيا رسائل اقتصادية واضحة، تعكس التحولات الكبيرة التي يشهدها النظام الدولي.
على الرغم من الغياب الأول للولايات المتحدة والمشاركة الواسعة للاقتصادات الصاعدة، نجحت قمة العشرين في جوهانسبرج في تبني بيان ختامي يصفه المحللون بأنه الأكثر جرأة لصالح قضايا الجنوب العالمي. وقد تحقق ذلك من خلال التركيز على معالجة أزمة الديون وتعزيز دور إفريقيا في سلاسل التوريد العالمية.
وقد تباينت آراء الخبراء حول مستقبل المجموعة في ظل غياب واشنطن وطبيعة البيان الختامي للقمة.
هل قادت الصين والهند القمة؟
ترى الدكتورة بيتر فيريس، أستاذة المنظمات الدولية، أن غياب الولايات المتحدة أتاح الفرصة للصين والهند لتوجيه دفة الحوار. وتؤكد أن مخرجات القمة تشير إلى دخول المجموعة مرحلة جديدة من إعادة تشكيل التوازنات الداخلية.
إلا أنها تحذر في الوقت نفسه من أن مقاطعة الولايات المتحدة لأحد أهم المنتديات الاقتصادية العالمية يثير تساؤلات عميقة حول مستقبل مجموعة العشرين. وتمثل أمريكا حوالي 24% من الاقتصاد العالمي وقرابة 16% من التجارة الدولية.
تخشى فيريس من أن تتحول الإيجابيات التي ظهرت بسبب الغياب الأمريكي إلى عامل سلبي لاحقًا إذا استمرت واشنطن في غيابها. وأوضحت لـ “بوابة السعودية” أن مركزية الاقتصاد الأمريكي تجعل من المشكوك فيه قدرة المجموعة على المضي قدمًا دون ثقل الولايات المتحدة.
هل تستطيع المجموعة المضي دون أمريكا؟
يختلف الباحث في الاقتصاد الدولي جونز ستيل مع هذا الطرح، إذ يرى أن الغياب الأمريكي جعل البيان الختامي أكثر تمثيلًا لاحتياجات الجنوب العالمي، وأثبت أن المجموعة قادرة نظريًا على العمل دون الولايات المتحدة.
وصرح لـ “بوابة السعودية” بأن تباطؤ النمو الاقتصادي العالمي المتوقع هذا العام عند حدود 2.7%، وارتفاع مستوى الدين العام إلى أكثر من 93% من الناتج العالمي، وضع ملف الديون في قلب المفاوضات بين الدول المشاركة، وهذا تحقق بسبب الغياب الأمريكي.
لكنه يقر في الوقت ذاته بأن الواقع أعقد بكثير، حيث تعمل المجموعة بالإجماع وأن غياب الولايات المتحدة يعطل العديد من القرارات التنفيذية. كما أن المؤسسات المالية الدولية الكبرى مثل صندوق النقد والبنك الدولي ما زالت تحت تأثير النفوذ الأمريكي الحاسم.
كيف يتشكل مستقبل الاقتصاد العالمي؟
الاستشاري السابق في الأمم المتحدة كولبي روت، يرى أن تحليل البيان الختامي للقمة يكشف عن 3 قضايا رئيسية ستشكل مستقبل الاقتصاد العالمي في السنوات المقبلة.
وأوضح لـ “بوابة السعودية” أن القمة تبنت موقفًا حاسمًا من دعم التحول الأخضر. كما أصبح هناك إقرار جماعي بأن تراكم الديون يمثل أخطر عائق أمام التنمية في الدول النامية، إضافة إلى وجود دعم لإعادة هيكلة ديون بعض الدائنين.
لكن الأهم من وجهة نظره هو تأكيد القمة التزامها بتحويل الموارد الطبيعية، وخاصة المعادن الحرجة، إلى محرك للتنمية المحلية بدلا من تصديرها خاما. وهو ما يبرز التحول العالمي نحو اقتصاد السيارات الكهربائية والطاقة المتجددة، حيث تشكل إفريقيا ما بين 30-40% من معادن الكوبالت والمنغنيز والنيكل والليثيوم عالميًا.
سيناريوهات مستقبل المجموعة
بشأن مستقبل المجموعة، يضع البروفيسور بيرجل كاري، أستاذ الاقتصاد الكلي في جامعة ليدز، 3 سيناريوهات محتملة.
- السيناريو الأول: استمرار المجموعة ولكن بفاعلية أقل. يرى كاري أن هذا السيناريو هو الأقرب، إذ إن غياب واشنطن لن يلغي أهمية المجموعة، لكنه سيُحدّ من قدرتها على صياغة قواعد اقتصادية عالمية ملزمة.
- السيناريو الثاني: إعادة الولايات المتحدة النظر في موقفها، ومن ثم عودتها للمشاركة والاستثمار في المجموعة، باعتبارها مؤسسة متعددة الأطراف أثبتت قابليتها للتكيف.
- السيناريو الثالث: يتمثل في استمرار الانقطاع الأمريكي، ما قد يؤدي إلى استقطاب داخلي بين تكتلات مختلفة داخل المجموعة.
لا شك أن قمة مجموعة العشرين في جنوب إفريقيا أعادت تعريف المجموعة، ليس فقط من حيث الأجندة، بل من حيث موازين القوى الجديدة داخلها.
وأخيرا وليس آخرا
تظل الأسئلة الكبرى قائمة: هل نجاح القمة ظرفي أم إن النظام الدولي مقبل على مرحلة جديدة من إعادة التوازن؟ وهل يمكن للمجموعة أن تظل منصة لصياغة التوافقات الاقتصادية الكبرى، أم إنها ستتحول إلى ساحة تنافس بين قوى صاعدة ونظام غربي يتراجع؟
حتى الآن لا توجد إجابات حاسمة. فالمسار مرهون بما تحمله السنوات المقبلة، وبقدرة المجموعة على الحفاظ على دورها التاريخي كجسر بين الاقتصادات الكبرى والصاعدة.







