صرع الفص الصدغي: نظرة شاملة
تتميز النوبات المرتبطة بهذه الحالة بنوبات جزئية بسيطة دون فقدان للوعي، وتُعرف الآن بالنوبات الجزئية المُدركة، بالإضافة إلى نوبات جزئية معقدة تتسبب في فقدان الوعي، وتُسمى حالياً نوبات جزئية متعلقة بالوعي المُخدَّر.
صرع الفص الصدغي هو نوع شائع من أنواع الصرع، وقد يكون تشخيصه صعباً في بعض الأحيان، ولكن بمجرد التشخيص، يمكن علاجه بفعالية باستخدام الأدوية، وفي الحالات التي لا تستجيب للعلاج الدوائي، يمكن اللجوء إلى جراحة الصرع بنسبة نجاح عالية للتخلص من النوبات.
في هذا المقال، سنتناول هذا المرض بالتفصيل.
وظائف الفص الصدغي في الدماغ
يؤدي الفص الصدغي وظائف حيوية في الدماغ، فهو يعالج الذكريات والأصوات، ويفسر الرؤية، ويسيطر على الكلام واللغة، كما يشارك في بعض الاستجابات اللاواعية أو التلقائية مثل الجوع والعطش، وردود الفعل مثل الهروب أو المقاومة، والعواطف، والإثارة الجنسية.
الفروقات بين الفص الصدغي الأيمن والأيسر
يختلف الفص الصدغي الأيمن والأيسر في وظائفهما، فنوبات الصرع في الفص الصدغي الأيمن قد تؤثر في وظائف مثل تعلم وتذكر المعلومات غير اللفظية (مثل الموسيقى والرسوم)، والتعرف إلى المعلومات وتحديد تعابير الوجه.
أما الفص الصدغي الأيسر، وهو عادة الفص السائد لدى معظم الأشخاص، فنوبات الصرع فيه قد تؤثر في قدرة الشخص على فهم اللغة والتعلم والتذكر وتكوين الكلام وتذكر المعلومات اللفظية.
من يتأثر بصرع الفص الصدغي؟
يمكن لأي شخص، بغض النظر عن عرقه أو جنسه، أن يعاني من الصرع. يبدأ صرع الفص الصدغي عادة بين سن 10 و20 عاماً، على الرغم من أنه يمكن أن يبدأ في أي عمر.
عوامل الخطر للإصابة بصرع الفص الصدغي
تتضمن العوامل التي تزيد من خطر الإصابة بصرع الفص الصدغي ما يلي:
- الإصابة بنوبة صرع طويلة (الحالة الصرعية) أو نوبة صرع ناتجة عن حمى عالية (نوبة حميدة). تشير الإحصائيات إلى أن حوالي 66% من الأشخاص الذين يعانون من صرع الفص الصدغي لديهم تاريخ من النوب الحميدة، والتي تحدث عادة في الطفولة. ومع ذلك، فإن معظم الأشخاص الذين يعانون من نوب حميدة لا يطورون صرع الفص الصدغي.
- وجود مشكلات هيكلية في الفص الصدغي، مثل ورم أو تشوه في الدماغ.
- تعرض الدماغ لإصابة في وقت مبكر من الحياة، مثل إصابة في الرأس مع فقدان الوعي، أو العدوى في الدماغ (مثل التهاب السحايا) أو إصابة دماغية في أثناء الولادة.
مدى انتشار صرع الفص الصدغي
يُعد صرع الفص الصدغي اضطراب الصرع الأكثر شيوعاً، حيث يؤثر في حوالي 50 مليون شخص في جميع أنحاء العالم، ويشكل نحو 40% من حالات الصرع.
أعراض صرع الفص الصدغي
تعتمد الأعراض على كيفية بدء النوبة الصرعية. قد تظهر “هالة” قبل نوبة صرع في الفص الصدغي، وهي عبارة عن إحساس غير عادي يشعر به الشخص قبل بداية النوبة.
لا يعاني الجميع من الهالة، فهي جزء من النوبة الجزئية المدركة، مما يعني أن الشخص يكون مستيقظاً ومدركاً في أثناء حدوث الأعراض، وعادةً ما تستمر لبضع ثوانٍ إلى دقيقتين.
الأحاسيس المصاحبة للهالة
تشمل الأحاسيس التي قد يشعر بها الشخص خلال الهالة ما يلي:
- الديجا فو Déjà vu (الشعور بحدث مألوف سبق أن رآه) أو ذكرى أو jamais vu (الشعور بالغربة).
- إحساس مفاجئ بالخوف أو الهلع أو القلق، أو الغضب، أو الحزن أو الفرح.
- الشعور بالغثيان المتصاعد في المعدة.
- تغير في حاسة السمع، أو البصر، أو الشم، أو التذوق، أو اللمس.
في بعض الأحيان، تتطور نوبات الفص الصدغي إلى نوع آخر من النوبات، مثل نوبة جزئية متعلقة بالوعي، حيث يفقد الشخص بعض درجات وعيه لمدة تتراوح عادة بين 30 ثانية إلى 2 دقيقة.
أعراض نوبات الفص الصدغي المتعلقة بالوعي
تشمل أعراض نوبات الفص الصدغي المتعلقة بالوعي ما يلي:
- النظر في الفراغ أو نظرة فارغة.
- سلوكات وحركات تكرارية (تُسمى التلقائيات) لليدين (مثل العصر، الحركات الانتقائية)، العينين (غمز زائد) والفم (تصفير الشفاه، العض، البلع).
- الارتباك.
في بعض الحالات، قد تؤدي نوبة صرع الفص الصدغي إلى نوبة ثنائية الجانب العضلي-كلونيك، حيث يحدث تشنج واهتزاز في الجسم بأكمله مع فقدان للوعي.
قد يصاحب هذه النوبات فقدان السيطرة على المثانة أو عض اللسان، وتؤثر هذه النوبة في كلتا جهتي الدماغ، وتُسمى أيضاً نوبة تشنجية، وكانت تُعرف سابقاً بنوبة جراند مال.
أسباب صرع الفص الصدغي
تشمل أسباب صرع الفص الصدغي:
- أسباب غير معروفة (تشكل حوالي 25% من الحالات).
- إصابة خلايا الدماغ، التي تؤدي إلى تشكُّل ندبات في الفص الصدغي (تُسمى التصلب الصدغي الوسطي أو التصلب الزبيبي).
- تشوهات في الدماغ موجودة منذ الولادة، مثل الهمارتومات وتشوه تطور القشرة الدماغية.
- إصابة في الدماغ نتيجة لحوادث السيارات، أو السقوط، أو أية ضربة في الرأس.
- العدوى في الدماغ، مثل خراج الدماغ، التهاب السحايا، التهاب الدماغ، ومتلازمة نقص المناعة المكتسبة (الإيدز).
- المشكلات الدماغية وشذوذات الأوعية الدموية في الدماغ، مثل الأورام الدماغية، والسكتات الدماغية، والخرف، والتشوهات الشريانية-الوريدية.
- العوامل الوراثية (تاريخ عائلي) أو الطفرات الوراثية.
مضاعفات الإصابة بصرع الفص الصدغي
قد يكون الصرع خطيراً في بعض الحالات:
- الموت المفاجئ وغير المفسر في الصرع (SUDEP)، حيث يموت حوالي 1 من كل 1,000 شخص يعانون من الصرع كل عام بسبب SUDEP، ولا يُعرف السبب، ولكن زيادة عدد النوبات التي لا يمكن السيطرة عليها تزيد من هذا الخطر، وهو أكثر شيوعاً بين البالغين من الأطفال.
- الحالة الصرعية طويلة الأمد (5 دقائق إلى 30 دقيقة) أو النوبات التي تحدث بشكل متكرر دون توقف، وتعد هذه حالة طبية طارئة وتتطلب التدخل الإسعافي.
تشخيص صرع الفص الصدغي
يعد معرفة التاريخ المرضي بدقة والفحص الجسدي المفصل أمراً ضرورياً لتشخيص صرع الفص الصدغي. تشمل الوسائل التشخيصية التي قد تُستخدم ما يلي:
- التصوير بالرنين المغناطيسي (MRI)؛ وهو الوسيلة الرئيسة لتصوير الفص الصدغي، خاصةً في قطعه الشرياني.
- التصوير بالتوموغرافيا الحاسوبية (CT)؛ يتميز بدقة أقل مقارنة بالرنين المغناطيسي، ولكنه قوي للتعرف إلى التصاوغ الكالسيفي (أو التصاوغات).
- التوموغرافيا بالانبعاث الإيجابي (PET)؛ فعالة لتحديد موقع النوبة بين النوبات البينية للمرشحين للجراحة عندما يكون الرنين المغناطيسي طبيعياً.
- التوموغرافيا بالانبعاث الفوتوني الوحيد (SPECT)؛ وسيلة تصوير إضافية فعالة للمرشحين للجراحة عند إجرائها بوصفها دراسة نوبية.
- التحليل بالرنين المغناطيسي للطيف (MRS)؛ يستخدم إلى حدٍّ ما في محاولة تقييم الشكل الورمي للتوقيع الإشعاعي.
- التخطيط الكهربائي للدماغ (EEG)؛ يُشير إلى جميع المرضى المشتبه في إصابتهم بصرع الفص الصدغي.
- التخطيط المغناطيسي للدماغ (MEG)؛ يستخدم بشكل أساسي للتسجيل المتزامن مع الرنين المغناطيسي لتوفير تصوير المصدر المغناطيسي في الفضاء ثلاثي الأبعاد.
علاج صرع الفص الصدغي
يشمل العلاج عدة تداخلات وأهمها:
الأدوية
قد تُظهر الأدوية المضادة للصرع القديمة المستخدمة للتحكم في نوبات صرع الفص الصدغي بعض الآثار الجانبية طويلة الأمد وتتطلب مراقبة، ومنها:
- فينيتوين.
- كاربامازيبين.
- فالبروات.
- فينوباربيتال.
بينما الأدوية الحديثة المضادة للصرع فعالة بشكل مقارن، ولكن بآثار جانبية أقل ولا تتطلب مراقبة كبيرة، ومنها:
- جابابنتين.
- بريغابالين.
- توبيرامات.
- لاموتريجين.
- ليفتيراسيتام.
- أوكسكاربازيبين.
- زونيسام.
التغذية
نهج آخر للعلاج هو تغيير محدد جداً في النظام الغذائي. النظام الكيتوجيني هو نظام غذائي غني بالدهون ومنخفض الكربوهيدرات، ويُجرَّب أحياناً إذا لم تكن الأدوية ناجحة في السيطرة على نوبات الصرع.
الجراحة
تُعد الجراحة خياراً مطروحاً بعد عدة محاولات فاشلة للعلاج بالأدوية أو بعد تحديد وجود ورم أو تشوه مسؤول عن النوبات. إذا كان الرنين المغناطيسي يُظهر التصلب الصدغي في الفص الصدغي الوسطي وتُظهر القراءات الكهربائية للدماغ أن نشاط النوبة يبدأ في تلك المنطقة، فقد تعالج الجراحة النوبات.
استئصال الفص الصدغي (إزالة الفص الصدغي) هو أكثر أنواع الاستئصال شيوعاً، وأشهر عملية جراحية لعلاج الصرع.
الكي بالليزر
يستخدم الجراحون في هذه الإجراءات التصوير بالرنين المغناطيسي لتوجيه الليزر نحو النسيج الندبي في منطقة الفص الصدغي الذي يسبب النوبات، ويستخدم الليزر الحرارة لتدمير النسيج الذي يسبب النوبات.
جراحة التشعيع الإستيريوتاكتيكي
تشمل هذه الجراحة استخدام تصوير ثلاثي الأبعاد وأشعة إشعاع مُرَكَّزة بدقة لتدمير الخلايا العصبية التي تعمل بشكل غير صحيح وتسبب النوبات.
محفزات الدماغ الكهربائية
إذا لم تكن الأدوية كافية للتحكم في النوبات ولم تكن الجراحة خياراً، فإن أجهزة التحفيز العصبي تعد خياراً جيداً. تعمل هذه الأجهزة بطريقة مشابهة لمُراقِب القلب والتجاوب مع اضطرابات النظم القلبية غير الطبيعية، وتوجد ثلاثة أنواع من المحفزات:
1. محفز العصب الودي
يُزرع هذا المحفز تحت الجلد في جدار الصدر، وتُوضع أسلاك قيادة كهربائية حول العصب الودي في الرقبة. يبدأ العصب الودي في الجزء السفلي من الدماغ وينتقل إلى البطن، ويقدم المحفز نبضات كهربائية متقطعة قصيرة إلى الدماغ لتقليل تطور النوبات.
2. جهاز التحفيز العصبي العصبي
يراقب هذا الجهاز نشاط موجات الدماغ ويقدم نبضاً كهربائياً لإيقاف أو تقليل مدة النوبة أو ربما منع حدوثها، ويُزرع هذا الجهاز في الجمجمة تحت فروة الرأس.
3. جهاز التحفيز العميق للدماغ
تشمل هذه الجراحة زرع أسلاك كهربائية في الدماغ ووضع جهاز تحفيز تحت جلد الصدر. تُوضع الأسلاك الكهربائية، الموجهة بواسطة الرنين المغناطيسي، في المنطقة التي تحدث فيها النوبات، ويرسل جهاز التحفيز إشارات إلى الأسلاك لحظر الإشارات الكهربائية التي تطلقها الخلايا العصبية التي تسبب النوبة.
وأخيرا وليس آخرا
يتبين أن صرع الفص الصدغي يشكل تحدياً صحياً يتطلب فهماً شاملاً ومعالجة متعددة الأوجه، من التشخيص إلى العلاج، وتدابير طبية دقيقة وخيارات علاجية متنوعة. بدءاً من الأدوية وصولاً إلى الإجراءات الجراحية وأساليب العلاج التكميلي؛ تبرز أهمية الوعي المجتمعي تجاه هذا المرض وضرورة دعم الأفراد المتأثرين وأسرهم.
بالتعاون بين الأبحاث الطبية والتقنيات الحديثة، نتطلع إلى مستقبل يتيح لنا فهماً أفضل لصرع الفص الصدغي وتقديم حلول فعالة وتقنيات علاجية متقدمة لتحسين نوعية حياة الأفراد المتأثرين بهذا المرض. هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يقدم حلولاً مبتكرة في تشخيص وعلاج هذا النوع من الصرع؟











