أسباب زيادة الإيمان ونقصانه
الإيمان كشجرة مباركة، يزداد نموها ورسوخها كلما سقيت بماء العلم النافع، وغذيت بالأعمال الصالحة الخالصة. وإذا أهملت، ومنعت عنها أسباب الحياة، وسمدت بالمعاصي والذنوب، فإنها تذبل وتضعف. وقد وصف الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، الإيمان بأنه يبدأ بلمعة بيضاء في القلب، تزداد بالعمل الصالح حتى يضيء القلب كله، بينما النفاق يبدأ بنقطة سوداء تتسع بالمعاصي حتى يسود القلب، مستشهداً بقوله تعالى: {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} (المطففين: 14).
أدلة من القرآن والسنة على زيادة ونقصان الإيمان
القرآن الكريم يؤكد هذه الحقيقة في مواضع عدة، منها قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا} (الأنفال: 2). وكذلك قوله سبحانه: {وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} (التوبة: 124). وقوله عز وجل: {لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا} (المدثر: 31).
الأحاديث النبوية الشريفة
وفي السنة النبوية، نجد أحاديث عديدة تدل على زيادة الإيمان بالعمل الصالح ونقصانه بالمعاصي، كقوله صلى الله عليه وسلم: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان) رواه مسلم. وقوله صلى الله عليه وسلم: (أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً) رواه أحمد والترمذي. وفي بيان أثر المعاصي على الإيمان يقول صلى الله عليه وسلم: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن) متفق عليه.
أهمية العمل الصالح في ترسيخ الإيمان
هذه الأدلة وغيرها، تبين أن الإيمان بناء شامخ من الأعمال الصالحة، مشيد على أساس من اليقين. فكلما زاد عمل المرء، زاد إيمانه، وكلما ازداد إيمانه، أثمر عملاً صالحاً. وقد أدرك السلف الصالح هذه الحقيقة، فكانوا يتواصون بما يزيد إيمانهم ويقوي يقينهم. روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، كان يقول لأصحابه: “تعالوا بنا نزدد إيماناً”، وكان معاذ يقول: “اجلسوا بنا نؤمن ساعة”.
لذا، فإن الحفاظ على مستوى الإيمان عالياً، بحيث لا تؤثر فيه الشبهات ولا تزلزله الشهوات، يتطلب من العبد أن يكون محافظاً على أوامر الله، مجتنباً نواهيه. فالمجاهدة في القيام بالطاعات والبعد عن المعاصي هي التي تمد القلب بالحياة، كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ} (محمد: 17).
الأعمال الصالحة التي تزيد الإيمان
وقد أرشدنا الله إلى كثير من الأعمال الصالحة التي لها أثر عظيم في زيادة الإيمان، كتعلم العلم الشرعي، ولا سيما العلم بالله وأسمائه وصفاته، فهو أجل العلوم وأنفعها للقلب وصلاحه. وكذلك قراءة القرآن مع التدبر والتفكر، والنظر في سير الأنبياء والصالحين، والتفكر في آيات الله الكونية التي تدل على عظمة الخالق وبديع صنعه.
العبادات وأثرها في زيادة الإيمان
الاجتهاد في العبادة من صلاة، وزكاة، وصدقة، وصيام، وحج، وعمرة، وذكر، واستغفار، ودعاء، وصلة رحم، وكذلك الاهتمام بأعمال القلوب من خوف، وخشية، ومحبة، ورجاء، وتوكل، وغيرها، فكل ذلك مما يزيد إيمان العبد ويقربه إلى ربه. فإذا شعر المسلم بفتور ونقص في إيمانه فليسارع إلى عمل الصالحات ففيها دواؤه وصلاحه.
أسباب نقصان الإيمان
من أسباب نقصان الإيمان البعد عن المعاصي صغيرها وكبيرها، فللمعاصي أثر سيء على الإنسان في نفسه وبدنه وإيمانه وقلبه، حيث تورث العبد ضيقاً في قلبه، وظلمة في وجهه، وقلةً في رزقه، وفساداً في عقله، ونقصا في دينه، وتضعف هيبة الله في نفسه، فيبتعد عن ذكر الله، وعن كل ما يذكره به.
دور الشبهات في إضعاف الإيمان
ومن أسباب نقصان الإيمان تعلق القلب بالشبهات وتمكنها منه، فالشبهات كالنار تحرق قلب من تعلق بها، ولا يطفئها إلا ماء العلم، ونور الفهم عن الله، وعن رسوله صلى الله عليه وسلم. كانت تلك نبذة مختصرة عن أسباب زيادة الإيمان، ونقصانه، وهي أسباب ينبغي للمسلم معرفتها والعناية بها، وخصوصا في هذا الزمن الذي كثرت فيه الفتن، واشتدت فيه الحاجة إلى أن يتعاهد العبد إيمانه، فيحرص على كل ما يزيده ويقويه، ويبتعد عن كل ما ينقصه ويضعفه.
وأخيراً وليس آخراً
في ختام هذا المقال، ندرك أن الإيمان ليس مجرد كلمة تقال، بل هو عمل دؤوب ومستمر. فكما أن الشجرة تحتاج إلى رعاية مستمرة لتنمو وتثمر، كذلك الإيمان يحتاج إلى تغذية دائمة بالأعمال الصالحة والبعد عن المعاصي. فهل نحن حريصون على رعاية إيماننا وتنميته في هذا الزمن المليء بالفتن والتحديات؟











