طريق الحج المصري: رحلة عبر آلاف السنين
يعتبر درب الحج المصري في سيناء من أشهر طرق الحج في منطقة الشرق الأوسط، حيث كان نقطة وصل حيوية بين غرب وشرق العالم الإسلامي. كان الحجاج من المغرب العربي والأندلس يتوافدون إلى مصر للانضمام إلى إخوانهم المصريين، لتبدأ القافلة رحلتها من القاهرة إلى أرض الحجاز عبر صحراء سيناء، حاملة معها كسوة الكعبة المشرفة كهدية من مصر.
أهمية درب الحج المصري عبر التاريخ
ظل درب الحج المصري الطريق الرسمي لحجاج شمال إفريقيا منذ العصور الإسلامية الأولى، ولعب دوراً محورياً في التبادل الحضاري بين شعوب المنطقة. ازدهرت على جانبيه عناصر التخطيط المشابهة لتلك التي وجدت على درب الحج السوري والعراقي، المعروف أيضاً بـ “درب الحج الشامي”. في عهد صلاح الدين الأيوبي، تم تأمين طريق القاهرة-دمشق مروراً ببيت المقدس، وأقيمت السدود لتخزين المياه وتوفيرها للحجاج.
العناية الملكية بدرب الحج المصري
حرص ملوك وسلاطين مصر على إعمار درب الحج المصري في سيناء، ممتداً بين قلعة عجرود وقلعة نخل وصولاً إلى قلعة العقبة، وكذلك درب الحج الجنوبي الذي يربط بين أسوان وعيذاب. كان هذا الاهتمام جزءاً من رموز الدولة، كضرب العملة وخطبة الجمعة، واستمر طوال فترة حكم المماليك وحتى عهد أسرة محمد علي. نظراً لمرور الطريقين بمناطق صحراوية قاحلة، حظيا بنصيب وافر من العناية والرعاية، وشُيدت على طول درب الحج في سيناء قلاع وحصون وخانات ومساجد وآبار وبرك وسدود وصهاريج ومحطات للتزود بالماء، بالإضافة إلى تمهيد الطريق وتعديل مساره. ولا تزال بعض هذه المعالم المعمارية والتاريخية باقية حتى اليوم، شاهدة على تلك الحقبة الزمنية.
قنصوه الغوري وتمهيد الطريق
يُعتبر السلطان المملوكي قنصوه الغوري أول من رسم طريقاً للحجاج المصريين في وسط سيناء، حيث قام بقطع جبل عراقيب وجبل العقبة لتمهيد طريق مستقيم بين القاهرة والأراضي الحجازية، وذلك لتخفيف مشقة السفر على الحجاج. كما أمر بوضع لوحة إرشادية لا تزال قائمة حتى الآن وتحمل ختمه الخاص. قسّم العديد من الرحالة درب الحج المصري إلى خمس عشرة مرحلة، كان الحجاج يمرون بها من البركة إلى السويس ومن نخل إلى إيلة، وهي ذات المناطق التي يسلكها الحجاج اليوم عبر الطريق البري.
شهادات الرحالة وأهمية الطريق البري
ذكر الرحالة الفارسي ناصر جسور، الذي حج عن طريق درب القلزم (خليج السويس) مرتين وعن طريق درب أسوان (عيذاب) مرة في القرن الخامس الهجري، أن الطريق البري عبر سيناء كان المفضل لدى معظم القوافل نظراً لصعوبة عبور البحر. ورغم ظهور طريق أسوان كبديل بين عامي 450هـ و 660هـ، إلا أن الصليبيين أقاموا قلاعاً وحصوناً بالقرب من العقبة، مما أكده المقريزي بأن طريق البحر كان محفوفاً بالمتاعب بسبب طول المسافة وقلة الماء وصعوبة العبور بالمراكب القديمة. عاد الاهتمام بدرب الحج المصري في سيناء منذ عام 566 هـ عندما أولى صلاح الدين، منذ كان وزيراً وبعد توليه حكم مصر، اهتماماً كبيراً بتأمين الطريق وتحصينه.
مراحل تطور درب الحج المصري
يمكن تلخيص مسار درب الحج المصري عبر أربع مراحل رئيسية:
- المرحلة الأولى: من الفتح الإسلامي لمصر حتى منتصف القرن الخامس الهجري، حيث كان للطريق مساران في شبه الجزيرة العربية، أحدهما داخلي والآخر ساحلي.
- المرحلة الثانية: من حوالي سنة 440 هـ إلى سنة 666 هـ، حيث استخدم الحجاج المصريون السفن النيلية إلى قوص، ثم يسافرون بالقوافل إلى عيذاب، ويعبرون البحر الأحمر إلى جدة بدلاً من الطريق البري في شمال الحجاز.
- المرحلة الثالثة: من سنة 667 هـ إلى سنة 1301 هـ، وفيها عاد الحجاج إلى استخدام الطريق البري الساحلي.
- المرحلة الرابعة: من سنة 1301 هـ وحتى العصر الحديث، حيث توقف استخدام الطريق البري وأصبح الطريق البحري من السويس هو المفضل.
و أخيرا وليس آخرا : يمثل درب الحج المصري جزءاً لا يتجزأ من تاريخ الحج، شاهداً على عراقة هذه الفريضة وأهميتها عبر العصور. فهل سيعود هذا الدرب ليأخذ مكانته التاريخية في تسهيل رحلة الحجاج، أم سيبقى مجرد ذكرى ترويها كتب التاريخ؟











