فهم التوحد: نظرة متعمقة إلى عالم مختلف
إذا كنت ترغب في فهم التوحد عن كثب، واستكشاف مشاعر وخصائص الأطفال المصابين به، فإن هذا المقال هو بوابتك إلى هذا العالم الفريد.
نظريات تفسير التوحد
على الرغم من الأبحاث والدراسات العديدة التي تناولت اضطراب التوحد، لم يتم حتى الآن تحديد سبب واضح ومحدد للإصابة به. تشير الدراسات إلى وجود عوامل متعددة ومتداخلة تساهم في ظهور هذا الاضطراب. فيما يلي، نستعرض أهم النظريات التي تحاول تفسير التوحد.
الفرضيات القديمة المفسرة للتوحد
ظهرت هذه الفرضية في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، وترجع أسباب الإصابة بالتوحد إلى العوامل الأسرية. في البداية، ألقي اللوم على برودة الأم وعدم اهتمامها بالطفل، ثم توسعت النظرة لتشمل الأسرة بأكملها.
كما ظهرت نظرية “الانسحاب” التي عزت التوحد إلى حساسية مفرطة في الجهاز العصبي للطفل، مما يعيق تكوين الروابط العاطفية ويؤدي إلى الانطواء نتيجة صعوبة التواصل الاجتماعي. ومع ذلك، فإن هذه النظريات قد تراجعت بسبب افتقارها إلى الأدلة التجريبية.
النظرية الجينية الوراثية المفسرة للتوحد
تؤكد هذه النظرية على دور الوراثة والخلل الجيني خلال فترة الحمل كسبب لاضطراب التوحد. تستند هذه النظرية إلى عدة أدلة، منها:
- ملاحظة تشوهات في الكروموسومات، خاصة تلك ذات الأرقام (15، 5، 21، 7).
- ارتفاع نسبة إنجاب طفل آخر مصاب بالتوحد في العائلات التي لديها طفل مصاب بالفعل.
- ظهور إصابات جلدية على شكل حبوب تشبه حبات القهوة لدى بعض الأطفال المصابين بالتوحد نتيجة خلل جيني موروث.
ومع ذلك، لم يتم حسم الأمر بشكل قاطع، ولا تزال صيغة الانتقال الجيني غير معروفة حتى الآن.
نظرية العقل المفسرة لاضطراب التوحد
وفقًا لهذه النظرية، يعود سبب اضطراب التوحد إلى عدم قدرة الطفل على إدراك المثيرات الخارجية والاستجابة لها بشكل صحيح.
النظرية البيئية المفسرة للتوحد
يعتقد أصحاب هذه النظرية أن الأسباب البيئية الخارجية تؤدي إلى خلل في وظائف الدماغ. تشمل هذه الأسباب ظروف الحمل والولادة، التلوث البيئي، والحوادث التي يتعرض لها الطفل بعد الولادة.
تدعم هذه النظرية الأدلة التالية:
- تغيرات كبيرة تحدث في الدماغ خلال فترة الحمل، وأي عائق لنمو الدماغ في هذه الفترة يمكن أن يسبب تغيرات مستمرة.
- ضعف الجهاز المناعي أو التعرض لحادث قد يزيد من عرضة الطفل للإصابات الفيروسية التي تؤدي إلى اضطرابات في النمو، بما في ذلك التوحد.
- خلل في العمليات الاستقلابية.
- دور المواد الكيميائية السامة والملوثات البيئية مثل التسمم بالزئبق والرصاص وأول أوكسيد الكربون.
النظرية البيولوجية المفسرة للتوحد
تعتبر النظرية البيولوجية من أكثر النظريات التي حظيت بالبحث والدراسة. وترى أن الخلل في دماغ الطفل هو سبب اضطراب التوحد، وتشمل الأسباب البيوكيميائية والعصبية.
تشمل الشواهد التي تؤكد هذه النظرية:
- انتشار التوحد في جميع الأعراق والثقافات والطبقات الاجتماعية، وترافقه مع اضطرابات صحية وعصبية أخرى مثل التخلف العقلي والصرع.
- عدم تشكل الخلايا المغزلية الموجودة في مقدمة الدماغ، والتي تمنح الإنسان القدرة على العيش بتناغم مع المجتمع وإدراك مفاهيم مثل الوقت.
- اختلال التوازن بين فصي الدماغ، مما يعيق اكتساب اللغة.
- تراجع في خلايا بوركنج الموجودة في المخيخ.
- وجود اختلافات في شكل الدماغ، خاصة في المخيخ.
- خلل في طريقة عمل الفصين الأماميين من الدماغ.
- قلة كفاءة الخلايا العصبية الموجودة في الفصين الجداريين في معالجة المعلومات.
- الخلل أو النقص أو الزيادة في إفراز النواقل العصبية المسؤولة عن إرسال الإشارات إلى الدماغ.
- وجود علاقة بين الخلل الوظيفي في العصبونات المرآتية الموجودة في القشرة الدماغية وبين اضطراب التوحد.
وعلى الرغم من وجود العديد من النظريات المفسرة للتوحد، إلا أنه لا توجد نظرية مؤكدة حتى الآن.
خصائص أطفال التوحد
تتنوع الخصائص التي تميز أطفال التوحد، وفيما يلي أهم هذه الخصائص:
الخصائص الاجتماعية لأطفال التوحد
يكون الطفل المصاب بالتوحد غير قادر على التفاعل الاجتماعي، وهي إحدى أهم الخصائص السلوكية التي تشير إلى التوحد. تظهر هذه الخاصة في جميع المراحل العمرية، ويتجلى ذلك في عدم القدرة على التواصل البصري، قلة الاستجابة للأصوات، وعدم إظهار العواطف أو التعبيرات على الوجه. يميل الطفل المصاب بالتوحد إلى اللعب وحده وإلى الألعاب الحسية.
يمكن تقسيم أطفال التوحد من حيث التطور الاجتماعي إلى نوعين:
- النوع الأول: يشكل 25% من أطفال التوحد، وتتطور المهارات الاجتماعية لديهم خلال السنتين الأولى من حياتهم ثم تتراجع.
- النوع الثاني: يشكل غالبية أطفال التوحد، ويظهر قصورًا شديدًا في تعلم المهارات الاجتماعية منذ البداية.
الخصائص التواصلية لأطفال التوحد
يعاني طفل التوحد من صعوبات كبيرة في التواصل، وحتى إن الغالبية منهم غير قادرين على استخدام اللغة بالطريقة الصحيحة. إضافة إلى ذلك، فإن الطفل المصاب بالتوحد غير قادر على اكتساب المفاهيم الأساسية التي تساعده على الاتصال والتواصل مع الآخرين.
يمكن تلخيص الخصائص التواصلية لأطفال التوحد في الآتي:
- نصف الأطفال المصابين بالتوحد تقريبًا غير قادرين على تطوير لغة منطوقة.
- المصاداة الصوتية (ترديد الكلام) هي إحدى خصائص طفل التوحد، وقد يكون الترديد مباشرًا أو متأخرًا.
- لا يستطيع طفل التوحد تكوين جملة صحيحة لغويًا ونحويًا أو توظيف الكلمات بالشكل الصحيح، إضافة إلى إهماله أدوات الاتصال والضمائر.
- صعوبات في فهم الكلام الموجه إليه، وغالبًا ما يفهم أي حديث فهمًا حرفيًا وجامدًا.
- لا يستخدم تعبيرات الوجه أو الإيماءات عندما يتكلم.
- غالبًا ما يكون صوت أطفال التوحد ذا نغمة واحدة ثابتة.
- لديهم صعوبات في عدد كبير من المهارات الأساسية للتواصل كالفهم والانتباه والتركيز والتسمية.
- يمكن وصف لغة طفل التوحد بأنها غير وظيفية وغير تعبيرية، وتُستخدم فقط لتلبية احتياجاته.
الخصائص السلوكية لطفل التوحد
تختلف أفعال وتصرفات وسلوكات الطفل الذي يعاني من التوحد عن أقرانه. ويمكن تلخيص الخصائص السلوكية لطفل التوحد من خلال الآتي:
- السلوك النمطي المتكرر الذي يظهره معظم الأطفال المصابين بالتوحد، مثل الأرجحة ورفرفة اليدين وتدوير الأشياء حول نفسها والمشي على رؤوس الأصابع.
- السلوك الروتيني، أي الثبات ومقاومة أي تغيير حتى لو كان طفيفًا جدًا.
- التعلق بالأشياء المادية لفترة طويلة.
- العدوانية، وقد يكون هذا السلوك موجهًا نحو نفسه أو نحو الآخرين.
الخصائص الحسية لأطفال التوحد
فيما يلي أهم الخصائص الحسية المميزة لطفل التوحد:
الحساسية السمعية
قد تصيب الطفل نوبات غضب شديدة نتيجة سماعه أصوات محددة على الرغم من سلامة الجهاز السمعي لديه.
الحساسية البصرية
يميل الكثير من أطفال التوحد إلى الجلوس في الظلام، في حين يحب بعضهم التحديق في الأضواء الساطعة على الرغم من سلامة الجهاز البصري لديهم.
الاستجابة اللمسية
تتباين الاستجابة اللمسية لدى أطفال التوحد، فبينما يبدي بعضهم حساسية جلدية كبيرة، يبدي بعضهم الآخر عدم استجابة لأي مثير لمسي.
السلوكات الشمية
يظهر بعض أطفال التوحد سلوكات شمية غريبة مثل شم الملابس أو شم أنفسهم.
الخصائص المعرفية لأطفال التوحد
من أهم الخصائص المعرفية لأطفال التوحد:
- يتباين المستوى العقلي لأطفال التوحد.
- صعوبات في التركيز والانتباه والاستجابة والإدراك والفهم والتفكير والتنبؤ والتقليد.
- قلة الدافعية وانعدام الرغبة.
- من الناحية الأكاديمية، يمكنهم النجاح في المواد التي لا تحتاج إلى الفهم.
وأخيرا وليس آخرا
يتضح أن عالم الطفل المصاب بالتوحد عالم خاص وغريب، وعلى الرغم من صعوبة فهمه، فإنه ليس مستحيلاً. يتطلب التعامل مع الطفل المصاب بالتوحد صبرًا كبيرًا وطاقة هائلة من الأسرة. نتقدم بخالص الحب والتقدير لكل من يسعى لراحة هؤلاء الأطفال وتطويرهم. يبقى السؤال: كيف يمكننا تحويل هذا الجهد الفردي إلى دعم مجتمعي شامل يضمن لأطفال التوحد حياة كريمة واندماجًا فعالًا في المجتمع؟











