حاله  الطقس  اليةم 10.6
مرتفعات وودلاند,الولايات المتحدة الأمريكية

تحديات تكنولوجيا الأعصاب: حماية عقولنا في العصر الرقمي

بوابة السعودية
أعجبني
(0)
مشاهدة لاحقا
شارك
تحديات تكنولوجيا الأعصاب: حماية عقولنا في العصر الرقمي

تكنولوجيا الأعصاب: ثورةٌ صامتةٌ تُعيد تشكيلُ الواقع وتُثيرُ جدلاً أخلاقياً

لقد شهدت تكنولوجيا الأعصاب في الآونة الأخيرة طفرةً نوعيةً غيّرت مفاهيم عديدة كانت حبيسة الخيال العلمي، لتُصبح واقعاً ملموساً يُلامس حياة البشر. هذه الثورة، التي تتجلى في قدرتها على ترجمة الأفكار مباشرة إلى كلمات وتمكين المصابين بالشلل من استعادة قدرتهم على الحركة، بل والمشي مجدداً، لم تعد مجرد أمنيات مستقبلية. هي حقاً تعيد تعريف حدود ما هو ممكن للبشر، وتوحي بأننا على أعتاب عصرٍ جديد، قد يُقارن بمدى تأثير ثورة الذكاء الاصطناعي نفسها، وإن كانت لا تحظى بذات الزخم الإعلامي. غير أن هذا التقدم المذهل لا يخلو من مخاوف عميقة تتعلق بالجوانب الأخلاقية والاجتماعية التي تستدعي نقاشاً متأنياً وموسعاً.

تقدّمٌ يفوقُ التصوّر: من الخيال إلى الحقيقة

تشير الباحثة آن فانهوستنبرغ، من كلية كينغز كوليدج لندن، إلى أن الوعي العام لا يزال قاصراً عن إدراك حجم التطور الذي بلغته تكنولوجيا الأعصاب. ما كان يُعدّ سابقاً ضرباً من الخيال العلمي، بات اليوم واقعاً تتجسد فيه أجهزة إلكترونية تُزرع في الجهاز العصبي، الذي لا يقتصر على الدماغ فحسب، بل يمتد ليشمل الحبل الشوكي، ناقل الإشارات العصبية إلى سائر أجزاء الجسم. إن هذا التطور الهائل يدفع بالعديد من المراقبين والباحثين إلى وصف هذه التقنية بأنها ثورة علمية تضاهي في أهميتها الذكاء الاصطناعي، وإن لم تحظَ بنفس القدر من الاهتمام الإعلامي حتى الآن.

إنجازاتٌ تتوالى: أمثلةٌ من صميم التقدم العلمي

تُجسّد أمثلة حديثة عديدة سرعة هذا النمو التقني المذهل. ففي يونيو من عام 2024، نشرت مجلة “نيتشر” مقالاً تفصيلياً كشف عن كيفية تمكُّن شخص يعاني من مرض التصلّب الجانبي الضموري من ترجمة أفكاره إلى كلمات بشكل شبه فوري، في غضون جزء من أربعين من الثانية. هذا الإنجاز تحقق بفضل غرسة دماغية مبتكرة طوّرها فريق بحثي من كاليفورنيا. يأتي هذا الإنجاز ليكمل سلسلة من الجهود البحثية العالمية، التي تهدف إلى إعادة القدرة على التواصل لمن فقدها.

في سياقٍ متصل، عكف فريق سويسري لسنوات على تجارب متعددة لتقنية تتضمن زرع أقطاب كهربائية في النخاع الشوكي. هذه التقنية قد أتاحت للمصابين بالشلل استعادة قدر كبير من التحكم بحركاتهم، وفي بعض الحالات النادرة، تمكنوا من المشي مجدداً. ورغم أن هذه التجارب، والعديد غيرها، ما زالت بعيدة عن استعادة القدرات الكاملة للمرضى، إلا أن الأمل يحدو الباحثين لتوسيع نطاقها لتشمل شريحة أوسع من المتضررين.

قفزاتٌ في الفعالية: من آلاف الساعات إلى بضعٍ منها

تشير فانهوستنبرغ إلى أن عامة الناس لا يدركون المدى الحقيقي لما هو متاح حالياً ويُحدث فرقاً جذرياً في حياة الكثيرين. وتؤكد الباحثة أن فعالية هذه الأجهزة في تزايد مستمر. فبينما كان تمكين هذه الأجهزة من ترجمة أفكار شخص إلى بضع كلمات يستلزم تدريبها لآلاف الساعات في السابق، باتت العملية اليوم لا تتطلب سوى بضع ساعات قليلة، مما يعكس قفزة نوعية في كفاءة ومرونة هذه التقنيات.

عواملُ الدفع: العلم، التكنولوجيا، والقطاع الخاص

يرجع هذا التطور الكبير في مجال تكنولوجيا الأعصاب إلى تضافر عوامل عدة. أولها، التقدم العلمي الملحوظ الذي أتاح توفر بيانات جديدة ودقيقة عن وظائف الدماغ وكيفية عمله. وثانيها، التطور التكنولوجي المستمر، الذي تجلى بشكل خاص في التصغير المتزايد للأجهزة العصبية، مما يسهل زراعتها ويزيد من تقبلها. إضافة إلى ذلك، لعب الذكاء الاصطناعي دوراً محورياً في تعزيز قدرات الخوارزميات المستخدمة في تحليل الإشارات العصبية، مضاعفاً فعاليتها بشكل غير مسبوق.

لم يقتصر الأمر على البحث الأكاديمي، بل دخل القطاع الخاص بقوة على خط تطور تكنولوجيا الأعصاب. فمنذ أواخر العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، شهد العالم بزوغ نجم العديد من الشركات الناشئة التي نجحت في جمع اكتتابات بعشرات المليارات من الدولارات، وبدأت اليوم تؤتي ثمارها في صورة إنجازات ملموسة وواعدة.

جدلُ الشركات الكبرى: ابتكارٌ أم إعلانات؟

من أشهر هذه الشركات شركة “نيورالينك”، المملوكة للملياردير الأميركي إيلون ماسك. وقد أعلنت الشركة في عام 2024 عن زرع جهازها لنحو عشرة مرضى. ومع ذلك، يرى عدد من الخبراء أن ابتكارات هذه الشركة لا تحمل في طياتها قدراً كبيراً من الجدة الفعلية، وأنها قد تكون أقرب إلى الحملات الإعلانية الصاخبة.

يُقلّل طبيب الأعصاب المتخصص في الأخلاقيات، إرفيه شنيويس، في حديث لبوابة السعودية، من أهمية ما تقدمه “نيورالينك”، واصفاً إياه بـ”مجرد دخان” يرافقه الكثير من الإعلانات. ويضيف شنيويس أن المخاوف الحقيقية لن تبدأ إلا عندما تطرح هذه الشركات منتجاتها التجارية على نطاق واسع، وحينها، قد يكون الأوان قد فات للقلق بشأنها.

تثير هذه التقنيات بالفعل مخاوف جدية، خصوصاً وأن بعض الشركات، وفي مقدمتها “نيورالينك”، لا تنوي حصر استخداماتها في قطاع الرعاية الصحية فقط. بل تروج بالفعل لمنتجات يمكن أن تساهم في تحسين القدرات المعرفية لجميع الناس، مما يفتح الباب أمام تساؤلات أعمق حول المساواة والعدالة الاجتماعية.

الخصوصية العقلية: تهديدٌ جديدٌ في عصر تكنولوجيا الأعصاب

في ظل هذا التطور المتسارع، أصبحت الخصوصية العقلية مهددة بشكل لم يسبق له مثيل. في هذا السياق، وافقت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونسكو) على توصيات للدول تتعلق بتنظيم هذا القطاع، والتي دخلت حيز التنفيذ في عام 2024، لكنها لا تحمل طابع الإلزام.

اعتمد معدّو هذه التوصيات، ومن بينهم شنيويس، تعريفاً واسعاً جداً لتكنولوجيا الأعصاب، ليشمل الأجهزة المتوفرة حالياً في السوق مثل الساعات والخوذات الذكية. هذه الأجهزة، على الرغم من أنها لا تؤثر مباشرة على الأدمغة، إلا أنها تقيس مؤشرات تعطي فكرة عن الحالة العقلية للمستخدم، مما يثير تساؤلات خطيرة حول كيفية جمع هذه البيانات واستخدامها.

يشرح شنيويس أن الخطر الرئيسي اليوم يكمن في انتهاك الخصوصية، مؤكداً أن “خصوصيتنا العقلية مهددة”. ويضرب مثلاً: “قد تقع (البيانات) في أيدي مديرك، الذي سيعتبر، مثلاً، أن ساعات استيقاظك غير مناسبة للشركة”. مما يعني أن المعلومات العصبية قد تُستخدم ليس فقط لأغراض صحية أو تحسينية، بل قد تُوظّف في تقييم الأداء المهني أو حتى لأغراض تمييزية.

سبقت بعض الدول والولايات في اتخاذ إجراءات بشأن هذه المسألة. ففي الولايات المتحدة، أقرت ولاية كاليفورنيا، التي تُعد مركزاً عالمياً لأبحاث تكنولوجيا الأعصاب، قانوناً في نهاية عام 2024. يهدف هذا القانون إلى حماية بيانات أدمغة الأفراد، واضعاً لها إطاراً تنظيمياً مشابهاً لذلك المتبع فيما يخص بيانات تحديد الموقع الجغرافي، في محاولة لضمان حماية هذه البيانات شديدة الحساسية.

و أخيراً وليس آخراً

لقد أحدثت تكنولوجيا الأعصاب تحولات جوهرية، قفزت بها من حيز الخيال العلمي إلى واقع ملموس، واعدةً بإمكانات علاجية وتطويرية غير مسبوقة. رأينا كيف تمكنت من ترجمة الأفكار إلى كلمات، وإعادة القدرة على المشي لبعض المصابين بالشلل، مدعومة بتضافر التقدم العلمي والتكنولوجي ودخول القطاع الخاص. ومع ذلك، فإن هذه الثورة، بقدر ما تحمل من وعود، تثير أيضاً جملة من التحديات الأخلاقية والقانونية، لعل أبرزها حماية الخصوصية العقلية للأفراد في عالم باتت فيه أفكارنا وحالاتنا الذهنية قابلة للقياس والتسجيل. فهل نحن مستعدون لتلك القفزة الكبرى التي ستمحو الخط الفاصل بين العقل الآلي والعقل البشري، وكيف سنضمن أن هذه الأدوات القوية ستُستخدم لخير البشرية لا للتحكم بها؟

الاسئلة الشائعة

01

ما هي التطورات الرئيسية التي شهدتها تكنولوجيا الأعصاب مؤخراً؟

شهدت تكنولوجيا الأعصاب طفرة نوعية تمثلت في قدرتها على ترجمة الأفكار مباشرة إلى كلمات، وتمكين المصابين بالشلل من استعادة قدرتهم على الحركة والمشي مجدداً. هذه الإنجازات لم تعد مجرد أمنيات مستقبلية، بل أصبحت واقعاً ملموساً يُعيد تعريف حدود الممكن للبشر، ويوحي بقدوم عصر جديد مشابه في تأثيره لثورة الذكاء الاصطناعي.
02

من هي الباحثة التي تشير إلى قصور الوعي العام بشأن تطور تكنولوجيا الأعصاب؟

الباحثة هي آن فانهوستنبرغ من كلية كينغز كوليدج لندن. تشير فانهوستنبرغ إلى أن الوعي العام لا يزال قاصراً عن إدراك الحجم الحقيقي للتطور الذي بلغته تكنولوجيا الأعصاب، مؤكدة أن ما كان يُعدّ ضرباً من الخيال العلمي بات اليوم واقعاً ملموساً يُحدث فرقاً جذرياً في حياة الكثيرين من المرضى.
03

ما هو الإنجاز البارز الذي نشرته مجلة "نيتشر" في يونيو 2024؟

نشرت مجلة "نيتشر" في يونيو 2024 مقالاً كشف عن كيفية تمكُّن شخص يعاني من مرض التصلّب الجانبي الضموري من ترجمة أفكاره إلى كلمات بشكل شبه فوري، في جزء من أربعين من الثانية. هذا الإنجاز تحقق بفضل غرسة دماغية مبتكرة طوّرها فريق بحثي من كاليفورنيا، وهو يمثل خطوة هامة نحو إعادة القدرة على التواصل للمرضى.
04

ما التقنية التي يستخدمها الفريق السويسري لمساعدة المصابين بالشلل؟

يعكف فريق سويسري على تجارب لتقنية تتضمن زرع أقطاب كهربائية في النخاع الشوكي. هذه التقنية أتاحت للمصابين بالشلل استعادة قدر كبير من التحكم بحركاتهم، وفي بعض الحالات النادرة، تمكنوا من المشي مجدداً. تهدف هذه التجارب، والعديد غيرها، إلى توسيع نطاق العلاج ليشمل شريحة أوسع من المتضررين.
05

كيف تحسنت فعالية أجهزة تكنولوجيا الأعصاب في ترجمة الأفكار؟

تشير آن فانهوستنبرغ إلى أن فعالية أجهزة تكنولوجيا الأعصاب في تزايد مستمر. فبينما كان تمكين هذه الأجهزة من ترجمة أفكار شخص إلى بضع كلمات يستلزم تدريبها لآلاف الساعات في السابق، باتت العملية اليوم تتطلب بضع ساعات قليلة فقط. يعكس هذا التحسن قفزة نوعية في كفاءة ومرونة هذه التقنيات.
06

ما هي العوامل الرئيسية التي دفعت بالتطور الكبير في مجال تكنولوجيا الأعصاب؟

يرجع هذا التطور الكبير إلى تضافر ثلاثة عوامل رئيسية: التقدم العلمي الملحوظ الذي أتاح بيانات جديدة عن الدماغ، التطور التكنولوجي المستمر الذي تجلى في تصغير الأجهزة العصبية، ودور الذكاء الاصطنازي المحوري في تعزيز قدرات الخوارزميات المستخدمة لتحليل الإشارات العصبية. كما ساهم دخول القطاع الخاص بقوة في تسريع هذا التطور.
07

ما هي أبرز الشركات الخاصة التي دخلت مجال تكنولوجيا الأعصاب؟

من أشهر الشركات التي دخلت هذا المجال شركة نيورالينك، المملوكة للملياردير الأميركي إيلون ماسك. وقد أعلنت الشركة في عام 2024 عن زرع جهازها لنحو عشرة مرضى، وتثير جدلاً حول ابتكاراتها وخططها التجارية المستقبلية التي تتجاوز الرعاية الصحية لتشمل تحسين القدرات المعرفية.
08

ما رأي طبيب الأعصاب إرفيه شنيويس في ابتكارات شركة نيورالينك؟

يُقلّل طبيب الأعصاب المتخصص في الأخلاقيات، إرفيه شنيويس، من أهمية ما تقدمه نيورالينك، واصفاً إياه بـ "مجرد دخان يرافقه الكثير من الإعلانات". ويضيف شنيويس أن المخاوف الحقيقية لن تبدأ إلا عندما تطرح هذه الشركات منتجاتها التجارية على نطاق واسع، محذراً من أن الأوان قد يفوت للقلق حينها.
09

ما هو التهديد الجديد الذي تثيره تكنولوجيا الأعصاب والذي يخص "الخصوصية العقلية"؟

تثير تكنولوجيا الأعصاب تهديداً جديداً للخصوصية العقلية للأفراد، حيث يمكن للأجهزة المتوفرة حالياً في السوق، مثل الساعات والخوذات الذكية، قياس مؤشرات تعطي فكرة عن الحالة العقلية للمستخدم. هذا يفتح الباب أمام تساؤلات خطيرة حول كيفية جمع هذه البيانات واستخدامها، ليس فقط لأغراض صحية، بل لأغراض تمييزية أو لتقييم الأداء المهني.
10

ما هي الإجراءات التنظيمية التي اتخذتها بعض الجهات لحماية الخصوصية العقلية؟

وافقت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونسكو) على توصيات للدول تتعلق بتنظيم هذا القطاع، دخلت حيز التنفيذ في عام 2024، لكنها غير ملزمة. بالإضافة إلى ذلك، أقرت ولاية كاليفورنيا في الولايات المتحدة قانوناً في نهاية عام 2024 يهدف إلى حماية بيانات أدمغة الأفراد، واضعاً لها إطاراً تنظيمياً مشابهاً لبيانات تحديد الموقع الجغرافي.