نظرة في التاريخ الاقتصادي للمملكة العربية السعودية
يتناول هذا المقال التاريخ الاقتصادي للسعودية وما شهدته من تحولات منذ تأسيسها، مرورًا باكتشاف النفط في عهد الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، وتحديدًا في ربيع الأول 1358هـ الموافق مايو 1939م، حين تم ضخ أول دفعة من النفط السعودي.
مر الاقتصاد السعودي بمرحلة تأسيس وبناء انطلقت مع توحيد المملكة في عام 1351هـ (1932م) واستمرت حتى عام 1389هـ (1969م). بعد ذلك، دخل الاقتصاد مرحلة جديدة من التطور، وهي مرحلة التخطيط التنموي، التي اعتمدت حتى عام 1435هـ (2014م) على عاملين رئيسيين: مستوى ونمو العوائد النفطية وسياسات الإنفاق الحكومي. في عام 1437هـ (2016م)، بدأت مرحلة جديدة مع إطلاق رؤية السعودية 2030، وهي خطة وطنية طموحة تهدف إلى بناء مستقبل مزدهر، وتحقيق النمو الاقتصادي، وتحسين جودة الحياة.
دورات الاقتصاد السعودي
شهد الاقتصاد السعودي عدة دورات اقتصادية، بدءًا من عام 1970م الذي يمثل بداية النهضة الحديثة مع إطلاق خطط التنمية الخمسية. خلال هذه الفترة، تضاعف سعر برميل النفط أربع مرات، مما أدى إلى زيادة الإيرادات النفطية واعتماد زيادات متتالية في الإنفاق الحكومي، الأمر الذي ساهم في تسريع وتيرة النمو الاقتصادي خلال فترة الازدهار (1970-1981م).
الركود والانتعاش
بعد فترة الازدهار، دخل الاقتصاد السعودي مرحلة ركود بدأت في عام 1982م، نتيجة لتباطؤ معدل النمو السنوي للإنتاج النفطي وتراجع أسعار النفط، مما أدى إلى انخفاض الإيرادات النفطية. عاد الاقتصاد السعودي للانتعاش في عام 2003م، حيث بلغ متوسط معدل النمو السنوي للناتج المحلي الحقيقي 5%، بالتزامن مع تحقيق فوائض مالية.
وفي نهاية عام 2014م، تدهورت أسعار النفط، مما دفع ولي العهد رئيس مجلس الوزراء صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، إلى إطلاق رؤية السعودية 2030 في 18 رجب 1437هـ الموافق 25 أبريل 2016م، وهي خطة إصلاحية شاملة تهدف إلى تحرير اقتصاد المملكة العربية السعودية من الاعتماد على الصادرات النفطية.
الإصلاحات الاقتصادية في عهد الملك عبدالعزيز
تمثلت الإصلاحات الاقتصادية في عهد الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود في الإصلاح النقدي، وتوطين البادية، والربط بين مناطق المملكة، مما شجع على حركة التجارة الداخلية، إضافة إلى أعمال التنقيب عن البترول.
سك العملة السعودية
أمر الملك عبدالعزيز بسحب جميع العملات النقدية المتداولة محليًا ليحل محلها الريال المجيدي، ثم بدأ سك عملة محلية تحمل اسم سلطان نجد. في عام 1346هـ، أصدر الريال الفضي السعودي، ثم أمر بإنشاء مؤسسة النقد العربي السعودي (البنك المركزي حاليًّا) في عام 1371هـ (1952م).
تتابعت بعد ذلك الإصلاحات النقدية، واستمرت حتى بعد عهد الملك عبدالعزيز، ففي عام 1376هـ (1957م) انضمت السعودية إلى صندوق النقد الدولي، ما أدّى إلى ربط العملة المحلية بالعملات الدولية، وظهرت البنوك المحلية للمرة الأولى عام 1380هـ (1960م).
خطط التنمية في السعودية
في عام 1965م، أنشئت الهيئة المركزية للتخطيط، وكانت مسؤولة عن إعداد وتنفيذ خطة التنمية الخمسية الأولى (1970 – 1974م)، وفي عام 1975م حُولت الهيئة إلى وزارة التخطيط. انطلقت خطط التنمية في عام 1970م، إذ صدرت أول خطة تنمية خمسية في السعودية، وتبع ذلك إصدار تسع خطط تنموية حتى عام 2014م.
تجاوز الناتج المحلي الإجمالي في خطة التنمية الأولى النمو المستهدف من 9.8%، ونما بمعدل سنوي 20.9% وذلك نتيجة لارتفاع أسعار البترول، كما تجاوز القطاع النفطي والقطاع غير النفطي معدلات النمو المستهدفة.
واجهت خطة التنمية الثانية (1975 – 1979م) نقصًا شديدًا في العمالة الوطنية نتيجة لزيادة الإنفاق الحكومي والتوسع في مشاريع البنية الأساسية، مما دعا لاستقدام العمالة الأجنبية.
وركزت الخطة الثالثة (1980 – 1984م) على زيادة النمو في قطاعات وأنشطة معينة، وحقق الناتج المحلي الإجمالي معدل نمو سالب بنحو 10.3%، إضافةً إلى تراجع نمو القطاع النفطي، فيما نما القطاع الزراعي بمعدل يفوق المستهدف.
ومع حلول خطة التنمية الرابعة (1985 – 1989م) كانت معظم البنية الأساسية قد اكتملت، وهي الفترة التي شهدت انخفاضًا تدريجيًّا في العائدات النفطية، وكذلك في معدل نمو القطاع الخاص.
وركزت الخطة الخامسة (1990 – 1994م) على دعم القطاع الخاص عن طريق مجموعة من الإجراءات التنظيمية والحوافز، وكان لحرب الخليج الأولى أثرها المالي والتنظيمي على اقتصاد السعودية، مما دعا لإجراء بعض التعديلات على أولويات الإنفاق الحكومي.
وعلى الرغم من النمو الاقتصادي المتسارع على مدى ثلاث سنوات متتالية (1994 – 1997م)، إلا أن الانخفاض الذي طرأ على أسعار النفط العالمية أثر على الخطة التنموية السادسة (1995 – 1999م).
وحقق الاقتصاد السعودي في خطة التنمية السابعة (2000 – 2004م) معدل نمو للناتج المحلي الإجمالي يقدر بنحو 3.6%، في حين حقق معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي في خطة التنمية الثامنة (2005- 2009م) متوسطًا سنويًّا يقدر بنحو 2.2%، وهو أقل من المعدل الذي استهدفته الخطة والبالغ نحو 4.6%.
وفي خطة التنمية التاسعة (2010 – 2014م)، التي تزامن إعدادها مع أزمة مالية واقتصادية عالمية أثرت على الأسواق المالية، حقق معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي متوسطًا سنويًّا قُدرَ بنحو 5.4%، وهو أكبر من المعدل المستهدف للخطة والبالغ نحو 5.2%، ونما الناتج المحلي الحقيقي للقطاع النفطي بمعدل أكبر بكثير من المعدل المستهدف، في حين حقق القطاع غير النفطي معدل نمو سنويًّا بمتوسط بلغ نحو 6.2% وكان المستهدف 6.3%.
رؤية السعودية 2030
يُعد عام 2015م عامًا فارقًا في تاريخ الاقتصاد السعودي، إذ فصل بين مرحلة الخطط التنموية التي انتهت عام 2014م ومرحلة رؤية السعودية 2030 التي انطلقت عام 2016م، وتستخدم بيانات ذلك العام كأساس للمقارنة في رؤية السعودية 2030.
ترتكز رؤية السعودية 2030 على ثلاثة محاور متكاملة لتحقيق أهداف الرؤية وتصحيح المسار الاقتصادي: مجتمع حيوي، وهو أساس مهم لبناء قاعدة صلبة للازدهار الاقتصادي؛ اقتصاد مزدهر يوفر الفرص للجميع من خلال بناء نظام تعليمي منسجم مع احتياجات السوق؛ ووطن طموح يسعى لتطبيق مبادئ الكفاءة والمساءلة بالعمل وفق معايير عالية من الشفافية والمساءلة، وإدارة الموارد المالية بكفاءة واقتدار، وإنشاء مؤسسات حكومية مرنة، واعتماد نظم فعالة لمراقبة الأداء.
تُقسم رؤية السعودية 2030 إلى ثلاث مراحل: الأولى مرحلة وضع الأساس (2016-2020م)، والثانية مرحلة تحقيق المكاسب (2020-2025م)، والثالثة مرحلة تعميق الأثر (2025-2030م).
الميزانية العامة السعودية
أنشئت مديرية للمالية العامة في المملكة عام 1929م، ثم حولت إلى وزارة المالية عام 1932م، وكانت تشرف على إدارة الشؤون المالية العامة، وحفظ أموال الدولة، وجباية الإيرادات العامة. في عام 1953م، صدر أمر ملكي بإنشاء وزارة الاقتصاد التي دمجت بعد عامين مع وزارة المالية، وأصبح اسمها وزارة المالية والاقتصاد الوطني، وفي عام 2004م فصل الاقتصاد عن المالية وأصبح اسمها وزارة المالية، ومن مهامها إعداد الميزانية العامة للدولة.
مرت الميزانية العامة للدولة بمراحل عدة تأثرت خلالها بالظروف الاقتصادية والسياسية والمحلية والدولية، وكان للتغيرات في أسعار النفط الأثر الأكبر في رسم ملامح الميزانية العامة للسعودية، كما كان للإنفاق الحكومي الذي ارتبط بالعائدات النفطية الدور الأكبر في التحكم بعجلة الاقتصاد السعودي خلال فترات ارتفاع وانخفاض الإيرادات النفطية.
تاريخ التجارة الخارجية السعودية
شهدت الفترة من عام (1970 – 1981م) نموًّا كبيرًا للصادرات والواردات في السعودية، إذ بلغ متوسط معدل نمو الصادرات 49%، ومعدل نمو الواردات 37%.
وخلال الأعوام (1982 – 2002م) تباطأ متوسط معدل النمو، إذ سجل معدل نمو الصادرات 2% والواردات 1%، قبل أن يعود معدل النمو للارتفاع في الفترة التالية (2003 – 2014م)، إذ بلغ متوسط معدل النمو 17% للصادرات، و16% للواردات.
وشهد عام 2015م، نتيجة لتدهور أسعار النفط، انخفاضًا في نمو الصادرات بلغ 41%، فيما نمت الواردات بنسبة 1%. وخلال السنوات الأولى من رؤية السعودية 2030 (2016 – 2018م) تحسن نمو الصادرات، إذ بلغ بالمتوسط 15%، فيما سجلت الواردات انخفاضًا بلغ 7%.
الناتج المحلي الإجمالي للاقتصاد السعودي
عملت رؤية السعودية 2030 على إجراء العديد من الإصلاحات الاقتصادية والمالية، والتي استهدفت تحول هيكل الاقتصاد السعودي إلى اقتصاد متنوع ومستدام مبني على تعزيز الإنتاجية ورفع مساهمة القطاع الخاص، وتمكين القطاع الثالث.
وبلغ معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي للاقتصاد السعودي حاجز 7% خلال الربع الثالث من عام 2021م، ويُعد أعلى معدل نمو سنوي منذ عام 2012م. تُظهر المؤشرات أن حجم الناتج المحلي الإجمالي في نهاية عام 2023م بلغ 2,959 مليار ريال، وبلغت نسبة مساهمة القطاع غير النفطي في الناتج المحلي الإجمالي 50%، فيما بلغت نسبة مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي الإجمالي 45%، وبلغ إجمالي الصادرات السلعية في نهاية عام 2022م نحو 1,542 مليار ريال، وبلغت الواردات السلعية 712 مليار ريال.
و أخيرا وليس آخرا في نهاية المقال :
إن التاريخ الاقتصادي للمملكة العربية السعودية، كما استعرضه سمير البوشي في “بوابة السعودية”، يمثل رحلة تحول عميقة من اقتصاد يعتمد بشكل كبير على النفط إلى اقتصاد متنوع ومستدام. الإصلاحات الاقتصادية، وخطط التنمية الطموحة، ورؤية 2030، كلها تشير إلى مستقبل واعد. يبقى السؤال: كيف ستستمر المملكة في تحقيق التوازن بين النمو الاقتصادي والحفاظ على استقرارها المالي في ظل التحديات العالمية المتغيرة؟











