المركز الوطني للوثائق والمحفوظات: حارس تاريخ المملكة
في قلب المملكة العربية السعودية، ينهض المركز الوطني للوثائق والمحفوظات كصرح وطني شامخ، مهمته الأساسية حماية الوثائق والمحفوظات الحكومية. تأسس هذا المركز بموجب أمر ملكي في 23 شوال 1409هـ الموافق 29 مايو 1989م، ليكون بمثابة العمود الفقري لحفظ الذاكرة المؤسسية للدولة. يرتبط المركز إدارياً برئيس الديوان الملكي، مما يعكس الأهمية القصوى التي توليها القيادة الرشيدة لحفظ الوثائق التاريخية.
الإشراف والتوجيه: هيئة قيادية ترسم السياسات
تتولى هيئة عليا برئاسة رئيس الديوان الملكي مسؤولية الإشراف على أعمال المركز. تضم الهيئة في عضويتها ممثلين عن الأمانة العامة لمجلس الوزراء، وهيئة الخبراء، ومعهد الإدارة العامة، ومكتبة الملك فهد الوطنية. هذه الهيئة القيادية تضطلع بمهمة رسم السياسات العامة للمركز ومتابعة تنفيذها، بالإضافة إلى إقرار اللوائح والإجراءات اللازمة لتحقيق أهدافه الطموحة.
مهمة حفظ الوثائق: من الماضي إلى الحاضر
بعد انتهاء المدة المحددة لحفظ الوثائق في الأجهزة الحكومية، يتم ترحيل الوثائق دائمة الحفظ إلى المركز الوطني للوثائق والمحفوظات. تعتبر الوثائق التي يعود تاريخها إلى ما قبل 1 محرم 1373هـ من بين أهم المواد التي يحرص المركز على صيانتها وحفظها بشكل دائم، كما يتولى المركز مهمة حفظ وأرشفة الاتفاقيات والمعاهدات، ووثائق أملاك الدولة الخاصة، والأنظمة واللوائح والتعليمات المختلفة.
ترميم الوثائق: صيانة الإرث التاريخي
لا تقتصر مهمة المركز على الحفظ، بل تمتد لتشمل ترميم الوثائق الحكومية التي تضررت بفعل العوامل البيئية. يستخدم المركز أحدث الطرق العلمية المتبعة عالميًا لضمان الحفاظ على هذه الوثائق من التلف وتسهيل الوصول إليها عند الحاجة. بالإضافة إلى ذلك، يعمل المركز على تطوير برنامج رقمي موحد للوثائق الحكومية، يهدف إلى توفير وصول سريع وسهل إلى المعلومات.
تنظيم وتصنيف الوثائق: أسس منهجية للحفظ
يعمل المركز على إعداد اللوائح التنفيذية اللازمة لنظام الوثائق والمحفوظات، بما في ذلك لوائح الوثائق الإدارية والمالية والتخصصية بأنواعها ومدد حفظها، ويقوم بمتابعة تنفيذ هذه اللوائح بعد إقرارها. كما يتولى المركز إعداد دليل تصنيف موحد للوثائق والمحفوظات، ودليل ترميز شامل لأجهزة الدولة، بالإضافة إلى جمع الوثائق والمحفوظات وفهرستها وتصنيفها وترميزها وحفظها وصيانتها وتنظيم تداولها.
الإتلاف تحت الإشراف: ضمان الشفافية والمسؤولية
يحرص المركز على الإشراف بنفسه على عمليات إتلاف المحفوظات والوثائق التي يتقرر إتلافها بموجب اللوائح الخاصة بذلك، مما يضمن الشفافية والمسؤولية في التعامل مع الوثائق الحكومية.
التصنيف القطاعي: معايير عالمية للتوثيق
يتولى المركز مهمة تصنيف الأجهزة الحكومية وفق القطاعات المقرة عالميًا، بما يتماشى مع اتفاقيات الأمم المتحدة، مما يعزز من قدرة المملكة على التفاعل مع المجتمع الدولي في مجال الوثائق والمحفوظات.
الإشراف والتأهيل: دعم مستمر للأجهزة الحكومية
يشرف المركز على جميع مراكز الوثائق في الأجهزة الحكومية، ويوفر الدعم اللازم لتنفيذ نظام الوثائق والمحفوظات وتأهيل العاملين بها. كما يتيح المركز من خلال موقعه الإلكتروني جميع الأنظمة واللوائح الصادرة في المملكة العربية السعودية بشكل مستمر، ويقدم خدماته للمؤسسات والأفراد على حد سواء.
التعاون الدولي: شراكات فاعلة لتبادل الخبرات
يحرص المركز الوطني للوثائق والمحفوظات على الاشتراك في الهيئات والمنظمات الإقليمية والدولية المتخصصة في مجال الوثائق والمحفوظات، وعلى رأسها المجلس الدولي للأرشيف. يهدف هذا التعاون إلى تحقيق تبادل الخبرات والمعلومات مع الأجهزة المختصة دوليًا، والمشاركة في الندوات والمؤتمرات والحلقات العلمية المتخصصة، وإعداد البحوث المتعلقة بذلك عالميًّا. كما يتبادل المركز المعلومات مع المراكز الوطنية للوثائق والمحفوظات في مختلف أنحاء العالم.
التطور الرقمي: مواكبة العصر
يسعى المركز باستمرار إلى تطوير وسائل وتقنيات العمل بما يتوافق مع المستجدات الرقمية. في عام 2019م، عقد المركز مؤتمرًا حول دور الأرشيفات العربية في دعم مجتمع المعرفة العربي، وفي عام 2021م، نظم ورشة عمل حول الأرشيف وتقنيات الذكاء الاصطناعي.
إدارة التوثيق الإداري: مرجع تاريخي لتطور الأجهزة الحكومية
في خطوة مهمة نحو تعزيز التوثيق الإداري، وافق مجلس الوزراء في 5 رمضان 1443هـ الموافق 6 أبريل 2022م على إنشاء وحدة للتوثيق الإداري للأجهزة الحكومية تحت مسمى “إدارة التوثيق الإداري” في المركز الوطني للوثائق والمحفوظات. تتولى هذه الوحدة مهمة الرصد التاريخي لنشأة الجهاز الحكومي وأنظمته ولوائحه وخططه وبرامجه ومشاريعه، بالإضافة إلى تنظيماته الإدارية والإجرائية، لتكون بذلك مرجعًا تاريخيًا لتوثيق تطور الجهاز والمراحل التي مرّ بها منذ إنشائه.
و أخيرا وليس آخرا في نهاية المقال :
المركز الوطني للوثائق والمحفوظات يمثل صرحًا وطنيًا حيويًا يسهم في حفظ ذاكرة الوطن وتاريخه. من خلال مهامه المتعددة، بدءًا من الحفظ والترميم وصولًا إلى التنظيم والتوثيق، يضمن المركز الحفاظ على الوثائق الحكومية للأجيال القادمة. يبقى السؤال: كيف يمكن للمواطنين والمؤسسات الاستفادة القصوى من الخدمات التي يقدمها هذا المركز لتعزيز المعرفة بتاريخ المملكة؟











