المركز الوطني للتنافسية: ركيزة التنمية الاقتصادية ومحرك الإصلاحات في المملكة
في ظل التطلعات التنموية الطموحة التي رسمتها رؤية السعودية 2030، يبرز دور المركز الوطني للتنافسية، المعروف اختصارًا بـ “تيسير”، كأحد المحركات الأساسية لتعزيز البيئة التنافسية للمملكة العربية السعودية. لم يعد مفهوم التنافسية مجرد مصطلح اقتصادي بحت، بل أصبح محورًا استراتيجيًا يلامس كل جوانب الحياة الاقتصادية والاجتماعية، بدءًا من جودة التشريعات مرورًا بفاعلية الإجراءات الحكومية وصولاً إلى تمكين القطاع الخاص ورفع مستوى مشاركته. هذا المركز لا يقتصر دوره على مجرد رصد الأرقام والمؤشرات، بل يمتد إلى تحليل التحديات، واقتراح الحلول المبتكرة، ودفع عجلة الإصلاحات لضمان تحقيق المملكة مكانة رائدة على الخريطة الاقتصادية العالمية.
التأسيس والرؤية: انطلاقة نحو المستقبل
تأسس المركز الوطني للتنافسية بقرار تاريخي من مجلس الوزراء في عام 1440هـ الموافق 2019م، في خطوة تعكس الإدراك العميق لأهمية التنافسية كمحفز للنمو والازدهار. وقد منح المركز شخصية اعتبارية مستقلة واستقلالاً إداريًا وماليًا، مما يضمن له المرونة والقدرة على العمل بفاعلية بعيدًا عن الروتين البيروقراطي. يرتبط المركز تنظيميًا بمجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية، الأمر الذي يؤكد على أهميته الاستراتيجية ودوره المحوري في أجندة التنمية الوطنية. يعتبر هذا التأسيس نقطة تحول، ممهدًا لإنشاء كيان مؤسسي متخصص يتولى مهمة رفع مستوى المملكة في المؤشرات العالمية.
يشكل المركز إحدى أذرع الدولة الرئيسية في تنفيذ حزمة واسعة من الإصلاحات التشريعية والتنظيمية التي تشمل كافة المحاور الاقتصادية. إنه ليس مجرد مراقب، بل شريك فعال في صياغة المستقبل الاقتصادي للمملكة. يتابع المركز أداء المملكة في أكثر من 30 تقريرًا ومؤشرًا عالميًا للتنافسية، وهي مؤشرات حيوية تعكس مدى جاذبية بيئة الأعمال وكفاءة الأنظمة الاقتصادية. هذا الاهتمام الدقيق بالمؤشرات العالمية يتيح للمملكة تقييم موقعها بدقة، وتحديد نقاط القوة والضعف، ومن ثم توجيه الجهود نحو المجالات التي تحتاج إلى تحسين.
مهام واختصاصات المركز: منظومة متكاملة لتعزيز التنافسية
يتولى المركز الوطني للتنافسية مجموعة واسعة من المهام والاختصاصات التي تهدف مجتمعة إلى بناء بيئة تنافسية مستدامة ومزدهرة. من أبرز هذه المهام، رفع كفاءة بيئة التنافس بين الجهات الحكومية نفسها، وهو أمر حيوي لضمان تقديم أفضل الخدمات وتبني أفضل الممارسات. كما يعمل المركز على تعزيز تقدم المملكة في مؤشرات قياس الأداء العالمية ذات الصلة وتقاريرها، ساعيًا دائمًا نحو تحقيق مستويات قياسية جديدة.
لا تقتصر جهود المركز على الجانب الحكومي فقط، بل يمتد ليشمل بناء شراكات استراتيجية مع الجهات الحكومية والخاصة لتطوير منظومة متكاملة تعزز الأداء العام. هذه الشراكات ضرورية لتبادل الخبرات والمعرفة، وتوحيد الجهود نحو تحقيق الأهداف المشتركة. بالإضافة إلى ذلك، يجري المركز الأبحاث وينشر الدراسات المتخصصة في مجال اختصاصه، مما يسهم في إثراء المعرفة وتوفير بيانات موثوقة لدعم اتخاذ القرار. كما يعمل المركز على تطوير الأنظمة واللوائح التشريعية المتعلقة بالقطاعات الاستثمارية، مما يجعل المملكة وجهة جاذبة للمستثمرين المحليين والدوليين.
بناء العلاقات الدولية لتعزيز الخبرات
إدراكًا لأهمية الاستفادة من التجارب العالمية، يسعى المركز الوطني للتنافسية إلى تكوين علاقات استراتيجية مع منظمات ومراكز تطوير التنافسية العالمية. هذا التوجه نحو التعاون الدولي يفتح آفاقًا جديدة لتبادل أفضل الممارسات والخبرات، ويسمح للمركز بالاطلاع على أحدث التطورات والابتكارات في مجال تعزيز التنافسية. مثل هذه العلاقات تسهم في تسريع وتيرة الإصلاحات وتأهيل الكوادر الوطنية، مما ينعكس إيجابًا على مكانة المملكة التنافسية عالميًا.
مساهمات بارزة للمركز في بيئة الأعمال
تتجلى مساهمات المركز الوطني للتنافسية في عدة مبادرات وإصلاحات ملموسة أسهمت في رفع كفاءة بيئة الأعمال بالمملكة. من أبرز هذه المساهمات، العمل على تسريع وتيرة التحول الرقمي الحكومي، والذي يعد حجر الزاوية في تحقيق الكفاءة والشفافية. فالرقمنة لا تقلل فقط من الإجراءات الروتينية، بل تزيد من سرعة الإنجاز وجودة الخدمات المقدمة. هذا التحول ينعكس بشكل مباشر على سهولة ممارسة الأعمال وجذب الاستثمارات.
إلى جانب ذلك، يلعب المركز دورًا فعالًا في تمكين عمل المرأة في القطاعين الحكومي والخاص، وهو جانب حيوي لتحقيق التنمية الشاملة. فتمكين المرأة اقتصاديًا لا يعزز فقط من مساهمتها في الناتج المحلي الإجمالي، بل ينعكس إيجابًا على المجتمع بأسره من خلال زيادة الابتكار والتنوع في بيئة العمل. هذه الجهود تأتي في سياق أوسع لدعم الشمولية وتعزيز التنوع في سوق العمل السعودي.
منصات تفاعلية لتعزيز المشاركة
لإشراك القطاع الخاص والمجتمع في عملية تطوير بيئة الأعمال، أنشأ المركز الوطني للتنافسية منصات تفاعلية مبتكرة. من أهمها منصة مرئيات القطاع الخاص، وهي مخصصة لاستقبال الملاحظات والمقترحات المتعلقة بأنظمة بيئة الأعمال ولوائحها وقراراتها. هذه المنصة تمثل قناة اتصال مباشرة وفعالة تضمن سماع صوت القطاع الخاص وأخذ مرئياته بعين الاعتبار في صياغة السياسات.
بالإضافة إلى ذلك، أطلق المركز منصة استطلاع، التي تتيح للجهات الحكومية والخاصة، وأفراد المجتمع كافة، إبداء الآراء حول الأنظمة واللوائح المتعلقة بالبيئة الاقتصادية والتنموية. هذه المنصات تعكس التزام المركز بمبدأ الشفافية والمشاركة المجتمعية، مما يضمن أن الإصلاحات تتم بناءً على فهم شامل لاحتياجات وتطلعات جميع الأطراف المعنية. إنها آلية ديمقراطية تساهم في تعزيز ثقة المستثمرين والمواطنين على حد سواء.
القيادة والإدارة: هيكل يدعم الطموح
يقع المقر الرئيس لـ المركز الوطني للتنافسية في العاصمة الرياض، قلب المملكة النابض، مما يسهل عليه التنسيق مع مختلف الجهات الحكومية والخاصة. يتمتع المركز بهيكل إداري قوي، حيث يرأسه مجلس إدارة يتولى الإشراف عليه وتصريف أموره. يُعد هذا المجلس، الذي يرأسه معالي وزير التجارة، السلطة العليا للمركز، وهو ما يضمن وجود قيادة رشيدة وواعية قادرة على توجيه مسيرة المركز نحو تحقيق أهدافه الطموحة. هذه القيادة الفعالة تعد حجر الزاوية في نجاح أي مؤسسة، وتضمن أن المركز يعمل وفق أعلى معايير الحوكمة والشفافية.
و أخيرا وليس آخرا: مسيرة التنافسية المستمرة
لقد تناولنا في هذه المقالة الدور المحوري الذي يضطلع به المركز الوطني للتنافسية، أو “تيسير”، في الارتقاء بـ البيئة التنافسية للمملكة العربية السعودية. من تأسيسه ككيان مستقل عام 1440هـ (2019م)، مرورًا بمهامه المتعددة في متابعة المؤشرات العالمية، وإطلاق المبادرات التحولية مثل التحول الرقمي وتمكين المرأة، وصولاً إلى بناء الشراكات وتعزيز المشاركة المجتمعية عبر المنصات التفاعلية. كل هذه الجهود تصب في بوتقة تحقيق أهداف رؤية السعودية 2030 الطموحة نحو بناء اقتصاد مزدهر ومستدام. يبقى السؤال الأهم: كيف يمكن للمملكة، بفضل جهود المركز وأمثاله، أن تحافظ على هذا الزخم وتواصل تسلق سلم التنافسية العالمية لتصبح نموذجًا يحتذى به في التنمية الاقتصادية الشاملة والمستدامة في العقود القادمة؟











