الطوفان: دروس وعِبر من الماضي
في رحلة الحياة، يتباين الناس بين مُصرّ على خطئه ومُراجع لمساره، فمنهم من يستمر في التأييد الأعمى دون إدراك لعواقب الأمور، ومنهم من يعود إلى رشده ويصحح أفكاره. المنافقون، كعادتهم عبر العصور، يزدادون في كل زمان، يؤدون أدوارهم الدنيئة لتحقيق مكاسب زائلة، غافلين عن يوم الحساب.
العقل هو هبة الله للإنسان، لكن البعض يعطله بإرادته، رافضًا أي رأي أو دليل، فماذا ينتظر هؤلاء عند حلول الطوفان؟
الطوفان العظيم في زمن نوح عليه السلام
عبر التاريخ، يتردد سؤالان أساسيان: هل غرق جميع من في الأرض عدا من كان مع نوح في السفينة؟ وهل نسل البشرية اليوم يعود إلى من كان في السفينة؟
إهلاك الكافرين ونجاة المؤمنين
القرآن الكريم يجيب بوضوح أن الطوفان أغرق جميع من على الأرض، ولم ينجُ إلا من حمله نوح معه في السفينة. يقول تعالى: (فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ).
ذرية نوح عليه السلام هي الباقية
النص القرآني يؤكد أن الأرض عُمِّرت بعد الطوفان من نسل نوح عليه السلام فقط، فجميع البشر اليوم هم من ذريته. يقول تعالى: (وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ).
وقد اختلف العلماء في عدد من كان في السفينة، فقيل ثمانون نفسًا، وقيل اثنان وسبعون، وقيل عشرة. وذكر المفسرون أن الماء ارتفع على أعلى جبل في الأرض، وغمر كل شيء، ولم ينجُ أحد إلا من كان في السفينة. فكل من على وجه الأرض اليوم ينسبون إلى أبناء نوح الثلاثة: سام، وحام، ويافث.
الطوفان في عهد موسى عليه السلام
قصة موسى عليه السلام مع فرعون تحمل الكثير من العبر. فرعون الذي طغى وتجبَّر، ادعى الألوهية، وقتل أبناء بني إسرائيل، وظلم واستبد. فأرسل الله موسى ليدعوه إلى الحق، لكنه كفر واستكبر، وجمع سحرته لمواجهة موسى وهارون.
آيات العذاب على قوم فرعون
أرسل الله على قوم فرعون آيات العذاب: الطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم. هذه الآيات كانت بمثابة عقاب إلهي على كفرهم وظلمهم.
الطوفان حمل معه الأمراض والهلاك، والجراد قضى على المحاصيل الزراعية، والقمل أفسد الحبوب، والضفادع ملأت الأفواه وأحدثت تلوثًا سمعيًا، والماء تحول إلى دم.
حادثة غرق فرعون
في يوم عاشوراء، وبعد مفاوضات وآيات عديدة، وقف موسى عليه السلام وقومه هاربين إلى البحر، وفرعون وجنوده يلاحقونهم. وفي لحظة يأس، أوحى الله إلى موسى أن يضرب بعصاه البحر، فانفلق البحر ونجا موسى وقومه، وغرق فرعون وجنوده.
نجاة موسى عليه السلام وعِبرة عاشوراء
عندما وصل النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، رأى اليهود يصومون يوم عاشوراء، فسألهم عن السبب، فقالوا: “هذا يوم صالح، هذا يوم نجى الله بني إسرائيل من عدوهم فصامه موسى”. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “فأنا أحق بموسى منكم”، فصامه وأمر بصيامه.
سنن الوقاية من الطوفان
الأنبياء لم يأتوا لصلاح الدين فقط، بل لصلاح الدين والدنيا معًا. فشعيب عليه السلام جاء بإصلاح اقتصادي، ولوط عليه السلام نهى قومه عن الفواحش.
صلاح الدين والدنيا
عندما صلح الدين في عهد عمر بن الخطاب، سطَّر المسلمون أعظم حضارة عرفها العالم. فصلاح الدين يؤدي إلى صلاح الدنيا، وإقامة الحدود وتنمية الرقابة الذاتية في الأجيال هما من إصلاح الدين.
الحكم بين العباد بالحكمة والعدل
الله سبحانه وتعالى يحكم بين خلقه بالعدل، ولا يساوي بين المؤمنين والمجرمين.
لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم
هذه قاعدة ربانية، فالتغيير يبدأ من داخل الإنسان.
يري الله تعالى الناس جزاء أعمالهم
قد يظهر الفساد في الأرض ليذيق الله الناس بعضًا من جزاء أعمالهم.
إذا أراد الله لإنسان خيراً فلا رادَّ له
إذا مسك الضر، فالتجأ إلى الله، فهو وحده القادر على رفع الضر وجلب الخير.
الكفر بأنعم الله يؤدي إلى الجوع والخوف
القرى الآمنة المطمئنة التي كفرت بأنعم الله، أذاقها الله لباس الجوع والخوف.
مداولة الله للأيام بين الناس
الحياة لا تسير على وتيرة واحدة، فالله يختبرنا بالسراء والضراء.
لا يمكن أن يفلت الإنسان بظلمه
الظلم والطغيان لهما عقوبة معجلة في الدنيا قبل الآخرة.
التمكين للمؤمنين
وعد الله حق، وسيمكِّن لعباده المؤمنين الذين آمنوا وعملوا الصالحات.
الإصلاح يدفع العقوبات العامة
الإصلاح هو الذي يدفع العقوبات العامة، وليس الصلاح الشخصي فقط.
وفي النهاية:
الطوفان، سواء كان في زمن نوح أو موسى عليهما السلام، يحمل دروسًا وعِبرًا عن قدرة الله وعقابه للطغاة ونجاته للمؤمنين. إن التأمل في هذه القصص يدعونا إلى مراجعة أنفسنا، والعمل على إصلاح ديننا ودنيانا، والتمسك بقيم العدل والإحسان، فهل نتعظ ونسلك طريق النجاة؟











