الأمن السيبراني في المملكة العربية السعودية: حماية الفضاء الرقمي
في عالم يزداد فيه الاعتماد على البيانات والعمليات الرقمية، تبرز جهود المملكة العربية السعودية لتأمين هذا الفضاء الحيوي من خلال منظومة أمنية متكاملة. يهدف هذا المسعى إلى توفير بيئة رقمية آمنة وموثوقة، مدعومة باستراتيجية وطنية للأمن السيبراني يتم تطويرها وتنفيذها والإشراف عليها بعناية.
الهيكل المؤسسي للأمن السيبراني في المملكة
يعتبر قطاع الأمن السيبراني في المملكة العربية السعودية ركيزة أساسية في حماية مصالحها الرقمية. يتكون هذا القطاع من عدة كيانات حكومية مهمة، وعلى رأسها الهيئة الوطنية للأمن السيبراني والاتحاد السعودي للأمن السيبراني والبرمجة والدرونز.
تأسيس الهيئة الوطنية للأمن السيبراني
في عام 1439هـ (2017م)، اتخذت المملكة خطوة استراتيجية بتأسيس الهيئة الوطنية للأمن السيبراني، والتي تتبع مباشرةً لخادم الحرمين الشريفين. هذا الأمر الملكي أنشأ أول هيئة وطنية حكومية متخصصة ومستقلة في مجال الأمن السيبراني، مما يعكس الأهمية القصوى التي توليها المملكة لهذا القطاع. تتركز مهمة الهيئة على حماية المصالح الحيوية للمملكة، وضمان الأمن القومي، وحماية البنية التحتية الحساسة.
دور الهيئة في وضع المعايير والضوابط
تضطلع الهيئة الوطنية للأمن السيبراني بدور حيوي كسلطة مختصة في هذا المجال، حيث تقوم بإصدار وثائق ضوابط الأمن السيبراني الأساسية. تحدد هذه الوثائق الحد الأدنى من المعايير التي يجب على مختلف الأجهزة الحكومية تطبيقها للحد من مخاطر التهديدات السيبرانية. تهدف هذه الضوابط إلى تعزيز الأمن السيبراني للمملكة وحماية مصالحها الاقتصادية والوطنية الحيوية. وتُطبق هذه الوثائق إلزاميًا على الجهات الحكومية والخاصة التي تمتلك أو تدير بنية تحتية وطنية حساسة.
“سيوف”: الإطار السعودي لكوادر الأمن السيبراني
أطلقت الهيئة الإطار السعودي لكوادر الأمن السيبراني “سيوف”، الذي يُعنى بتوصيف الأدوار الوظيفية وتصنيفها حسب المهام. كما تقوم الهيئة بتوظيف فرق فنية على المستوى الوطني للاستجابة للحوادث السيبرانية في 11 قطاعًا حكوميًا حتى الآن.
الاتحاد السعودي للأمن السيبراني والبرمجة والدرونز
يُعد الاتحاد السعودي للأمن السيبراني والبرمجة والدرونز (SAFCSP) القوة الوطنية الثانية في مجالات الأمن السيبراني والبرمجة في المملكة، بعد الهيئة الوطنية للأمن السيبراني. يرتبط الاتحاد تنظيميًا باللجنة الأولمبية السعودية، ويعمل جنبًا إلى جنب مع صندوق تنمية الموارد البشرية (هدف) لتنفيذ برامج تدريبية تهدف إلى توظيف الكوادر الوطنية في سوق العمل، وتحديدًا في مجالات الأمن السيبراني والبرمجة والبيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي.
منصة مكافآت الثغرات
في عام 2019، أنشأ الاتحاد السعودي للأمن السيبراني والبرمجة والدرونز منصة مكافآت الثغرات. يمكن وصف هذه المنصة بأنها مبادرة عالمية تشجع الأفراد والمؤسسات على الإبلاغ عن الأخطاء والثغرات الأمنية في مواقع الويب والبرامج، مقابل مكافآت مالية. تسمح هذه المنصة للمطورين باكتشاف الأخطاء وحلها قبل أن يستغلها المخترقون، مما يمنع حوادث إساءة الاستخدام. وبإنشاء هذه المنصة، انضم الاتحاد السعودي للأمن السيبراني إلى نخبة من المنظمات العالمية التي تتبنى هذا النهج.
الاستراتيجية الوطنية للأمن السيبراني
تعزيزًا للجهود المؤسسية في مجال الأمن السيبراني، وضعت الهيئة الوطنية للأمن السيبراني الاستراتيجية الوطنية للأمن السيبراني التي تهدف إلى تحقيق رؤية واضحة: “فضاء سيبراني سعودي آمن وموثوق يمكّن النمو والازدهار”.
أهداف الاستراتيجية الوطنية
تهدف هذه الرؤية إلى تلبية أولويات المملكة وتطلعاتها، وتعزيز حماية الأنظمة التقنية والتشغيلية والبنى التحتية الحساسة. كما تهدف إلى تعزيز القدرة على الصمود والتصدي للحوادث السيبرانية، وامتصاص الأضرار والتعافي منها في الوقت المناسب. بالإضافة إلى ذلك، تسعى الاستراتيجية إلى تعزيز ثقة الجهات الوطنية والمستثمرين والأفراد في الفضاء السيبراني السعودي، والمساهمة في النمو الاقتصادي والاجتماعي للمملكة.
محاور الاستراتيجية الوطنية
تتضمن الاستراتيجية ستة محاور رئيسة: التكامل، والتنظيم، والتوكيد، والدفاع، والتعاون، والبناء. تهدف هذه المحاور إلى تحقيق حوكمة متكاملة للأمن السيبراني على مستوى وطني، وإدارة فعالة للمخاطر السيبرانية، وحماية الفضاء السيبراني، وتعزيز القدرات الوطنية في الدفاع ضد التهديدات السيبرانية. كما تهدف إلى تعزيز الشراكات والتعاون في الأمن السيبراني، وبناء القدرات البشرية الوطنية وتطوير صناعة الأمن السيبراني في المملكة.
الأكاديمية الوطنية للأمن السيبراني
في إطار الجهود المبذولة لإعداد الكوادر الوطنية المتخصصة في مجال الأمن السيبراني، أنشأت الهيئة الوطنية للأمن السيبراني أكاديمية تعمل على بناء وتأهيل هذه الكوادر لسد الفجوة الموجودة في هذا المجال، والمساهمة في حماية الفضاء السيبراني للمملكة وأمنها الوطني.
برامج الأكاديمية وإنجازاتها
نفذت الأكاديمية خلال عام 2022 برنامج التأهيل للتوظيف “سايبر برو+”، الذي شهد تخريج 22 دفعة تدريبية وتنفيذ 44 تمرينًا سيبرانيًا وعقد 154 دورة تدريبية.
أهداف الأكاديمية
تسعى الأكاديمية إلى تحقيق عدة أهداف علمية، تشمل تأهيل وتدريب الكوادر الوطنية في مجال الأمن السيبراني، وتطوير مهارات موظفي الجهات الوطنية ورفع الجاهزية، وتوفير ملتقى لتبادل المعارف والخبرات لمجتمع الأمن السيبراني في المملكة، وتوعية وتثقيف الموظفين غير المتخصصين بأساسيات الأمن السيبراني.
مبادرات وبرامج الأمن السيبراني في السعودية
أطلقت الهيئة الوطنية للأمن السيبراني في عام 1444هـ (2022م) برنامج “سايبرك” لتنمية قطاع الأمن السيبراني، الذي يُعد أحد الممكنات الرئيسة لتحقيق مستهدفات الاستراتيجية الوطنية للأمن السيبراني. يهدف البرنامج إلى تنمية وبناء القدرات الوطنية المتخصصة في مجالات الأمن السيبراني، وتوطين تقنيات الأمن السيبراني والمحتوى التدريبي في المجال، وتحفيز منظومة الصناعة المحلية والابتكار في مجال الأمن السيبراني بالمملكة.
مسارات برنامج “سايبرك”
يرتكز البرنامج على ستة مسارات رئيسة، هي: الابتكار وريادة الأعمال، والمسؤولون عن الأمن السيبراني، وخبراء الأمن السيبراني، وبرامج حديثي التخرج، والمدربون في مجالات الأمن السيبراني، والمختصون في جهات التحقيق والجهات القضائية. يستهدف البرنامج في مرحلته الأولى زيادة عدد الشركات الناشئة في مجال الأمن السيبراني من خلال دعم وتأسيس أكثر من 60 شركة وطنية في المجال.
مستهدفات المرحلة الأولى من برنامج “سايبرك”
يتم تنفيذ مستهدفات المرحلة الأولى من برنامج “سايبرك” عبر دعم أكثر من 40 شركة ناشئة من خلال مسرعة الأمن السيبراني، وتأسيس أكثر من 20 شركة ناشئة من خلال تحدي الأمن السيبراني، وتمكين نحو 10 آلاف مواطن ومواطنة في مجالات الأمن السيبراني، منها أكثر من 1500 مستفيد في الجهات الوطنية، وتنمية المهارات القيادية لأكثر من 150 مسؤولاً عن الأمن السيبراني في المملكة، وتدريب أكثر من 5000 مواطن ومواطنة عبر تمارين سيبرانية متقدمة.
مسرعة الأمن السيبراني
ضمن جهود الهيئة الوطنية للأمن السيبراني لتحفيز الصناعة في مجال الأمن السيبراني، أطلقت كذلك مسرعة الأمن السيبراني بنسختها الأولى، الهادفة إلى تعزيز منظومة ريادة الأعمال في المملكة، وتحفيز الاستثمار ورفع نسبة المحتوى المحلي في الأمن السيبراني، وذلك ضمن برنامج سايبرك لتنمية قطاع الأمن السيبراني.
أهداف مسرعة الأمن السيبراني
تستهدف المسرعة تمكين الشركات المحلية الناشئة في مجال الأمن السيبراني، التي تقدم حلولًا ومنتجات سيبرانية مبتكرة تتسق مع الأهداف الاستراتيجية للمسرعة. كما تستهدف تمكين نحو 40 شركة ناشئة في تقنيات الأمن السيبراني، وتوفير الدعم المالي للشركات الناشئة المتأهلة خلال ثلاث سنوات.
إنجازات الأمن السيبراني للمملكة العربية السعودية
من خلال العمل التنظيمي في مجال الأمن السيبراني، حققت المملكة العربية السعودية في عام 1443هـ (2022م) المرتبة الثانية عالميًا في مؤشر الأمن السيبراني، وذلك ضمن تقرير الكتاب السنوي للتنافسية العالمية لعام 2022 الصادر عن مركز التنافسية العالمي التابع للمعهد الدولي للتنمية الإدارية في سويسرا (IMD).
و أخيرا وليس آخرا في نهاية المقال :
الأمن السيبراني في المملكة العربية السعودية ليس مجرد تدابير تقنية، بل هو رؤية استراتيجية تهدف إلى بناء فضاء رقمي آمن وموثوق يدعم النمو والازدهار. من خلال تأسيس الهيئات المتخصصة، وإطلاق الاستراتيجيات الوطنية، وتنفيذ البرامج التدريبية، تسعى المملكة إلى تحقيق الريادة في هذا المجال الحيوي. هل ستتمكن المملكة من الحفاظ على هذا التقدم في ظل التحديات المتزايدة في الفضاء السيبراني؟ هذا ما ستكشفه لنا السنوات القادمة.











