استراتيجية سوق العمل السعودي: رؤية شاملة لتطوير وتنمية الموارد البشرية
تُمثل استراتيجية سوق العمل السعودي إطارًا وطنيًا شاملاً يهدف إلى تنظيم سوق العمل في المملكة العربية السعودية، وتطوير أداء الجهات المعنية به. وقد تم إطلاق هذه الاستراتيجية من قبل وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، وحظيت بموافقة مجلس الوزراء في 23 ربيع الآخر 1442هـ الموافق 8 ديسمبر 2020م. ويجري تنفيذ هذه الاستراتيجية الطموحة من خلال 25 مبادرة متكاملة، تهدف إلى تحقيق تحسينات جذرية في سوق العمل.
تهدف الاستراتيجية بشكل أساسي إلى خلق بيئة عمل جاذبة ومحفزة، قادرة على استقطاب أفضل المواهب والقدرات سواء من داخل المملكة أو من جميع أنحاء العالم. بالإضافة إلى ذلك، تسعى الاستراتيجية إلى توفير فرص عمل منتجة ومستدامة، تضمن حياة كريمة لجميع المواطنين السعوديين، بما يتماشى مع أهداف رؤية السعودية 2030 في بناء اقتصاد مزدهر ومتنوع.
ركائز استراتيجية سوق العمل السعودي
تعتمد الاستراتيجية على إجراء إصلاحات شاملة في سوق العمل، تشمل القطاعين العام والخاص. وتتضمن مجموعة من المبادرات المتنوعة، التي تغطي نطاقات زمنية مختلفة (قصيرة، متوسطة، وطويلة الأجل). يركز نطاق عمل الاستراتيجية على عدة جوانب رئيسية، بما في ذلك زيادة معدل المشاركة الاقتصادية، تطوير المهارات ورفع الإنتاجية، وتحسين كفاءة سوق العمل. كما تهدف إلى تحفيز الطلب على الأيدي العاملة وإيجاد فرص عمل جديدة، وذلك من خلال شراكات فعالة مع الجهات المشرفة على مختلف القطاعات.
مبادرات استراتيجية سوق العمل السعودي
تتضمن الاستراتيجية 25 مبادرة مبتكرة، موزعة على عدة مجالات رئيسية:
- 5 مبادرات مخصصة لتحسين ظروف العمل.
- 5 مبادرات تهدف إلى تطوير المهارات وتعزيز القيم المهنية.
- 3 مبادرات تركز على تطوير البنية التحتية والمعلوماتية لسوق العمل.
- 3 مبادرات تهدف إلى تنشيط سوق العمل وزيادة جاذبيته.
- 3 مبادرات خاصة بتنظيم عمليات الاستقدام.
- 3 مبادرات لتطوير منظومة التوظيف.
- مبادرتان لتعزيز مناخ النمو والاستثمار.
- مبادرة واحدة مخصصة للحوكمة الرشيدة.
وقد تم تطوير هذه المبادرات على ثلاث مراحل، وفقًا لأفضل الممارسات الدولية، وتتضمن 6 محاور رئيسية للإصلاح، بالإضافة إلى مستهدفات مرحلية واضحة.
محاور الإصلاح الستة الرئيسية
تتنوع محاور الإصلاح الستة الرئيسية لاستراتيجية سوق العمل السعودي، وتشمل:
- مناخ النمو والاستثمار: يهدف إلى تطوير القطاعات الاقتصادية المختلفة، وتعزيز النمو في المناطق، وتشجيع المنشآت الصغيرة والمتوسطة، وجذب الاستثمار الأجنبي المباشر.
- ظروف العمل: يهدف إلى تحسين بيئة العمل وشروط التعاقد، بما يضمن حقوق العاملين ويوفر لهم بيئة عمل آمنة ومحفزة.
- منظومة التوظيف: يستهدف تطوير عملية التوفيق بين الباحثين عن عمل وأصحاب العمل، من خلال توفير منصات فعالة وخدمات متميزة.
- تنشيط سوق العمل: يهدف إلى تيسير مشاركة المواطنين بجميع فئاتهم في سوق العمل، من خلال إزالة الحواجز وتوفير الدعم اللازم.
- المهارات والقيم: يعمل على مواءمة المهارات والقيم مع احتياجات سوق العمل الحالية والمستقبلية، من خلال تطوير برامج التعليم والتدريب المناسبة.
- الاستقدام: يستهدف استقطاب الكفاءات والمواهب المتميزة من الخارج، لسد الفجوة في متطلبات سوق العمل وتعزيز التنافسية.
أهداف استراتيجية سوق العمل السعودي
تتضمن أهداف الاستراتيجية مجموعة من المؤشرات الطموحة، بما في ذلك:
- خفض معدل البطالة بين المواطنين السعوديين.
- استيعاب الطلب المتزايد على العمالة الناتج عن برامج تحقيق الرؤية والاستراتيجيات القطاعية.
- زيادة إنتاجية العامل والاستثمار في المهارات ورأس المال البشري المرتبط بالتقنية.
- زيادة المشاركة الاقتصادية للمواطنين، من خلال تحفيزهم على المشاركة الفعالة في سوق العمل.
- رفع كفاءة سوق العمل، من خلال تحسين ظروف التعاقد وحفظ حقوق العاملين وتوفير بيئة عمل جاذبة.
ومن المتوقع أن تسهم أهداف الاستراتيجية في تحقيق العديد من النتائج الإيجابية، بما في ذلك زيادة أعداد العاملين، ورفع ترتيب المملكة في مؤشرات التنافسية العالمية ورأس المال البشري. كما ستؤدي إلى زيادة معدل مشاركة المرأة السعودية في سوق العمل، وجذب استثمارات القطاع الخاص، ورفع فاعلية منصات التوظيف، وزيادة إنتاجية العامل، وتخفيض الاعتماد على العمالة الوافدة ذات المهارات المنخفضة.
البرامج والجهود لتحقيق استراتيجية سوق العمل السعودي
حققت وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية خلال النصف الأول من عام 2021م، تقدمًا ملحوظًا في تحقيق أهداف استراتيجية سوق العمل، في عدد من القطاعات المختلفة. ففي قطاع العمل، تم تحقيق المستهدف من التوظيف في العمل الحر بنسبة 140% عبر إصدار 8140 وثيقة عمل. كما أصدرت الوزارة قرارات تتعلق بتوطين أنشطة المقاهي والمطاعم والتموينات والأسواق المركزية، وأنشطة المجمعات التجارية المغلقة، وخدمة العملاء عن بعد.
وأطلقت الوزارة برنامج نطاقات المطور لدعم الاستقرار الوظيفي في القطاع الخاص، وهو ما من شأنه أن يسهم في توفير 340 ألف وظيفة حتى عام 2024م. كما تم تنفيذ قرار احتساب الحد الأدنى للأجور في عدد من القطاعات، بما أسهم في زيادة الإنتاجية للفرد، وزيادة جاذبية القطاع الخاص للسعوديين.
كما حصلت السعودية على مقعد عضو أصيل في منظمة العمل الدولية لمدة ثلاث سنوات. واستفاد من مبادرة تحسين العلاقة التعاقدية منذ دخولها حيز التنفيذ في 14 مارس 2021م، حتى منتصف العام 51,730 عاملًا و29,175 منشأة. كما وثّقت الوزارة 3,610,880 عقدًا إلكترونيًّا لنحو 152,810 منشآت منذ انطلاق برنامج توثيق العقود إلكترونيًّا.
وأقرت وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية التأمين على عقود العمالة المنزلية، وذلك بإصدار وثيقة تأمين على العقود ضد مخاطر عدم الالتزام من جانبي صاحب العمل والعامل، وطبقت نظام حماية الأجور للعمالة المنزلية عبر إنشاء منصة إلكترونية (مساند) لمراقبة عمليات صرف الأجور، وإلزام صاحب العمل بتحويل الأجور من خلالها. كما أقرت منتجًا تأمينيًّا يحفظ حقوق العاملين من غير السعوديين في القطاع الخاص في حال تعثر المنشأة أو عدم قدرة صاحب العمل على سداد الحقوق، إذ تتحمّل الدولة جميع التكاليف المترتبة على تطبيق ذلك المنتج التأميني، إضافةً إلى تفعيل منصة قوى لدعم تأسيس الأعمال، وتسهيل الحصول على رأس المال البشري.
وفي قطاع الخدمة المدنية، أطلقت وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية النظام المركزي للمعلومات الوظيفية، والذي يهدف إلى تقديم خدمات رقمية متكاملة، تهتم بمسيرة الموظف منذ التعيين وحتى نهاية الخدمة، ويحتوي على قاعدة بيانات دقيقة ومحدثة عن الموارد البشرية الحكومية. كما أطلقت برنامج التحول في الموارد البشرية ومقياس النضج، وطُبق البرنامج حاليًّا على 6 وزارات، وسيتم تطبيقه على بقية الوزارات، إلى جانب إطلاق مركز قياس القدرات والمهارات لموظفي القطاع العام، والذي يعمل على تحديد نقاط القوة والضعف للعاملين في مراكز قيادية في القطاع العام عبر إعداد دراسات تحليلية للوظائف القيادية فيها، ونَفذت عددًا من البرامج التدريبية الإلكترونية لموظفي القطاع العام عبر منصة إثرائي بالتعاون مع معهد الإدارة ضمن البرنامج الوطني للتدريب عن بعد.
و أخيرا وليس آخرا:
هل ستنجح استراتيجية سوق العمل السعودي في تحقيق طموحات رؤية 2030؟ وهل ستتمكن من التغلب على التحديات التي تواجه سوق العمل في المملكة؟











