زراعة الورد في السعودية: تاريخٌ عريق ومستقبلٌ مُزهر
تُعد زراعة الورد في المملكة العربية السعودية قطاعًا زراعيًا حيويًا، يشمل مراحل متعددة بدءًا من غرس الشتلات وصولًا إلى تصنيع المنتجات النهائية كالعطور والزيوت العطرية. وتشتهر كل من محافظة الطائف بمنطقة مكة المكرمة بالورد الطائفي، والمدينة المنورة بالورد المديني، ليصبحا بذلك من أبرز العلامات المميزة لهما. وفي هذا المقال، يتناول سمير البوشي في “بوابة السعودية” أهم جوانب هذه الزراعة العريقة.
زراعة الورد في محافظة الطائف
تضم الطائف ما يقارب 860 مزرعة تنتج سنويًا حوالي 500 مليون وردة، بالإضافة إلى 45 معملًا متخصصًا في تصنيع منتجات الورد المختلفة. تبدأ زراعة شتلات الورد في الطائف في شهر ديسمبر، الذي يُعتبر الوقت المثالي لحرث الحقول وتسميدها وسقيها. وفي منتصف شهر يناير، وعندما تنخفض درجات الحرارة إلى حوالي خمس درجات مئوية، يبدأ تقليم شجيرات الورد استعدادًا لموسم الإزهار في فصل الربيع.
يبدأ موسم قطاف الورد في الطائف مع نهاية شهر مارس، ويستمر لمدة تتراوح بين 35 و45 يومًا، حيث تنتج المزارع حوالي 70 ألف وردة يوميًا.
مناطق زراعة الورد الطائفي
تتركز زراعة الورد الطائفي في مناطق مثل الشفا، الهدا، وادي الأعمق، وادي البني، ووادي محرم، إضافةً إلى بلاد طويرق والمخاضة. تشتهر الطائف بزراعة نوعين من الورد: الورد الطائفي ذي اللون الأحمر الفاتح والرائحة النفاذة، والورد الأحمر القاني. بعد حصاد الورد، يُنقل المحصول إلى المصانع المحلية حيث يمر بمراحل صناعية متعددة ليتحول إلى منتجات عطرية متنوعة.
منتجات الورد الطائفي
تشمل المنتجات العطرية ماء الورد، عطر الورد، ماء العروس، الزيوت العطرية، الصابون، معطرات الهواء، والمناديل المعطرة. الجدير بالذكر أن إنتاج تولة واحدة من عطر الورد الطائفي يتطلب حوالي 13 ألف وردة.
زراعة الورد في المدينة المنورة
تبدأ زراعة شجرة الورد المديني في منطقة المدينة المنورة في نهاية فصل الشتاء. يتم زراعتها وتكاثرها عن طريق العُقْل أو الترقيد في التربة أو الترقيد الهوائي. هذه الشجرة مستديمة وتبدأ في الإزهار بعد ستة أشهر من زراعتها، وكلما زاد عمر الشجرة، زاد إنتاجها.
تتميز مزارع الورد في المدينة المنورة بأن إنتاجها مستمر طوال فصول السنة، حيث يكون وفيرًا في الأجواء المعتدلة القريبة من البرودة، ويقل مع ارتفاع درجة الحرارة في فصل الصيف. بعد مرور سنتين من زراعتها، تخضع الشجرة لعملية التقليم، حيث تُقص السيقان المرتفعة ويُعاد طولها إلى حوالي نصف متر.
يُستفاد من عملية التقليم في ظهور براعم وسيقان أكثر من السابق في كل سنة جديدة، مما يزيد من النمو الخضري للشجرة. يستخدم الورد المديني في صناعة أجود أنواع العطور، زيت الورد الخام، وماء الورد الذي يُستخدم في التجميل والزينة.
تجارب زراعة الورد في السعودية
تُزرع شجرة الورود في مناطق متعددة في السعودية لإجراء التجارب البحثية، بهدف تحديد أنسب الأماكن والظروف لزراعتها. على سبيل المثال، زُرعت حوالي 100 شتلة من الورد الطائفي في وادي بن هشبل بمنطقة عسير. وتُستكمل تجربة الزراعة بإجراء مقارنات زراعية في بعض المواقع الأخرى، مثل منطقة المدينة المنورة ومحافظة سكاكا بمنطقة الجوف.
الورد الطائفي في موسوعة جينيس
في 17 شوال 1443هـ الموافق 18 مايو 2022م، سجلت سلّة طائف الورد، التي ضمت أكثر من 84 ألف وردة من حوالي 26 نوعًا، رقمًا قياسيًّا جديدًا في موسوعة جينيس للأرقام القياسية، كأضخم سلة ورد في العالم. بلغ طول السلة حوالي 12.1 مترًا، وعرضها 7.98 مترًا، وارتفاعها حوالي 1.3 مترًا.
استُخدمت في صناعتها مواد من الحديد، الفلين، البلاستيك، والخشب، وجميعها قابلة لإعادة التدوير. شارك في بناء السلة 190 شابًا وشابةً من أبناء محافظة الطائف، واستغرقوا في بنائها حوالي 168 ساعة عمل.
الورد الطائفي في اليونسكو
في عام 1446هـ الموافق 2024م، سُجلت الممارسات الثقافية المرتبطة بالورد الطائفي في القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي لدى منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة اليونسكو.
تنمية زراعة الورد في السعودية
تقدم وزارة البيئة والمياه والزراعة خدماتها في مجال زراعة الورد الطائفي، بهدف زيادة المساحات المزروعة منه، وتطوير صناعة الورد ودعم صناعاته التحويلية. كما تُسلط الوزارة الضوء على الفرص الاستثمارية في هذا القطاع، وتدعم مزارعه من خلال مبادرات برنامج التنمية الريفية المستدامة.
تقدم الوزارة أيضًا الدعم المادي المباشر لمزارعي الورد عبر برنامج ريف، بالإضافة إلى تقديم الدعم المالي ومبادرات التدريب والتأهيل في الصناعات التحويلية للأسر الريفية المهتمة بمجال الورد. وتسعى الوزارة للاستفادة من التجارب العالمية في طرق زراعة الورد وتقطيره، واستخداماته المتعددة في الطب والتجارة.
صناعة الورد في السعودية
تمر صناعة الورد الطائفي بمراحل عدة حتى الوصول إلى المنتجات النهائية كماء وعطر الورد، وماء العروس الذي يصل تركيز رائحة الورد فيه إلى حوالي 80%، والثنو 50%، والساير 20%. يتطلب إنتاج توله واحدة من عطر الورد الطائفي حوالي 13 ألف وردة.
تتم صناعة ماء وعطر الورد الطائفي بوضع حوالي 13 ألف وردة في القدر الخاص بطبخ الورد وإشعال النار تحته، فيتجمع البخار الناتج عن الطبخ ويخرج من أنبوب في غطاء القدر إلى إناء به ماء لتبريد البخار، ليتكثف ومن ثم تخرج قطرات إلى ما يسمى (التلقية). بعد ذلك، يستخرج ماء الورد بعد إضافة كمية من الماء العادي أو من ماء ورد العروس.
أما عملية تقطير الورد فتكون بغلي 12 ألف وردة في قدور من النحاس مع 40 لترًا من الماء وإضافة ماء العروس أو الثنو عليها وتغطية القدر وطبخه على النار لمدة 7 ساعات. أثناء الغلي، يخرج بخار الماء إلى أنابيب تبريد تعمل على تكثيفه فيتحول على شكل قطرات ماء سائلة.
و أخيرا وليس آخرا في نهاية المقال :
تُظهر زراعة الورد في السعودية، وخاصةً في الطائف والمدينة المنورة، إرثًا زراعيًا وثقافيًا غنيًا. من خلال الجهود المستمرة لتطوير هذا القطاع، يتضح أن مستقبل زراعة الورد في المملكة يحمل في طياته فرصًا واعدة ومستدامة. فهل ستشهد السنوات القادمة توسعًا أكبر في هذه الزراعة، وهل ستتمكن المملكة من تعزيز مكانتها كمنتج رئيسي للورود ومنتجاتها على مستوى العالم؟ هذا ما سيجيب عليه المستقبل القريب.











