القوات الجوية الملكية السعودية: درع المملكة في السماء
تُعتبر القوات الجوية الملكية السعودية ركيزة أساسية في منظومة الدفاع السعودية، وهي جزء لا يتجزأ من وزارة الدفاع. تضطلع القوات الجوية بمهمة حيوية، ألا وهي حماية سماء المملكة وتأمينها ضد أي تهديدات محتملة.
البدايات الأولى: النواة التأسيسية
تعود بدايات تأسيس القوات الجوية إلى عام 1348هـ/1929م، عندما قام الملك المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود بشراء طائرات بريطانية الصنع، وكانت هذه الخطوة إيذانًا بإنشاء أول مطار في جزيرة دارين بالمنطقة الشرقية.
قوة الطيران الحجازية النجدية: حلم الملك المؤسس
في 23 جمادى الآخرة 1344هـ/7 يناير 1926م، أمر الملك عبد العزيز بتأسيس قوة طيران باسم قوة الطيران الحجازية النجدية، مُعبرًا عن رؤيته لأهمية امتلاك قوة جوية قادرة على حماية سماء المملكة. تجسدت هذه الرؤية في 29 رجب 1348هـ/30 ديسمبر 1929م، عندما تقرر شراء أربع طائرات بريطانية من طراز ويستلاند وابتي مارك/2 ذات الجناحين، والتي كانت تُعد من أحدث الطائرات في ذلك الوقت. ولتلك الطائرات، تم تجهيز أول مطار في السعودية في جزيرة دارين بالمنطقة الشرقية.
تحديات التأسيس ومدرسة الطيران الأولى
في عام 1349هـ/1930م، أُنشئت أول مدرسة للطيران، ولكنها واجهت تحديات فنية في الصيانة وتوفير قطع الغيار، مما أدى إلى توقفها. وفي هذه الفترة، تأسست جمعية الطيران العربية في 5 شعبان 1349هـ/25 ديسمبر 1930م في مكة المكرمة، بهدف تشجيع الشباب على تعلم الطيران. تجسد هذا التشجيع في إرسال بعثة مكونة من 10 طلاب إلى إيطاليا في 2 ذي الحجة 1353هـ/7 مارس 1935م، ليكونوا أول طيارين سعوديين يحصلون على شهادات دولية في مجال الطيران.
هدية الرئيس روزفلت ونواة الطيران المدني
في عام 1364هـ/1945م، أهدى الرئيس الأمريكي روزفلت إلى الملك عبد العزيز طائرة من طراز داكوتا – دوجلاس – دي سي 3، والتي شكلت نواة الطيران المدني في السعودية. واصل الملك المؤسس جهوده لتطوير الطيران الحربي، وفي رجب 1364هـ/يوليو 1945م، طلب من الحكومة البريطانية عرضًا لتطوير وتدريب أطقم الطيران. وابتعث 10 خريجين سعوديين إلى بريطانيا عام 1368هـ/1949م، بعد تدريبهم في الطائف، وتخرجوا في 8 جمادى الأولى 1372هـ/23 يناير 1953م. وقبل ذلك، في 7 رجب 1371هـ/1 أبريل 1952م، تم تغيير اسم وزارة الدفاع إلى وزارة الدفاع والطيران والمفتشية العامة، لتشمل الطيران الحربي والمدني.
تطور القوات الجوية الملكية السعودية
إنشاء أول مدرسة منظمة للطيران
في عهد الملك سعود بن عبد العزيز آل سعود، أُنشئت أول مدرسة منظمة لتعليم الطيارين والفنيين العلوم الجوية في مدينة جدة، واستمر إرسال الطلاب للدراسة في الخارج. كما افتُتحت مدرسة سلاح الطيران في 30 ربيع الآخر 1373هـ/5 يناير 1954م، وتحولت مدرسة أعمال المطارات في مطار الظهران، التي أُنشئت عام 1376هـ/1948م، إلى مدرسة عسكرية تُعنى بتدريس التخصصات الفنية لسلاح الطيران، وسُميت مدرسة سلاح الطيران الفنية.
تشكيل الأسراب الأولى
في هذه الفترة، تشكلت الأسراب الأولى في القوات الجوية، حيث تشكل السرب الأول المتنوع، والمجموعة الأولى المتنوعة، والتي تألفت من طائرات نقل ومواصلات من طراز داكوتا وسكاي ماستر وطائرات تدريب متنوعة وقاذفات من طراز بي – 26 وطائرات نقل عسكرية. اشترت السعودية في هذه الفترة 20 طائرة من المقاتلة النفاثة دي هافيلاند فامباير لتشكيل السرب الخامس الذي عرف باسم سرب المقاتلات.
عهد الأمير سلطان بن عبد العزيز: نقلة نوعية
بعد تعيين الأمير سلطان بن عبد العزيز آل سعود وزيرًا للدفاع والطيران ومفتشًا عامًّا عام 1382هـ/1962م، وضع الخطط والبرامج لتطوير القوات المسلحة، ونقل سلاح الطيران إلى الرياض. تغيرت تسمية مديرية الطيران بجدة إلى سلاح الطيران الملكي السعودي، بعد فصل الطيران المدني عنها والمقاتلات النفاثة. وقعت السعودية عقد مشروع طائرات اللايتننج الاعتراضية مع الحكومة البريطانية، وشمل المشروع شراء بعض الطائرات الأخرى مثل الـهنتر، وكذلك بعض الرادارات وصواريخ أرض جو، والتدريب والصيانة والتموين، وعمل بعض المنشآت الأساسية. وفي عام 1385هـ/1965م، دخلت الخدمة طائرة سي 130 للنقل التكتيكي ودعم العمليات البرية.
التوسع في عهد الملك خالد
في عهد الملك خالد بن عبد العزيز آل سعود، استمرت دراسة وتدريب منسوبي القوات الجوية، وبُني مقر جديد لقيادة القوات الجوية في مدينة الرياض، وتوسعت القواعد الجوية. وفي عام 1397هـ/1977م، كانت بداية مشروع شمس السلام لشراء طائرات إف – 15 الاعتراضية المقاتلة، وشمل المشروع عقود صيانة وتموين وتدريب وتشغيل بعض المنشآت المساندة.
مشاريع التطوير في عهد الملك فهد
في عام 1405هـ/1985م، في عهد الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود، كانت بداية مشروع درع السلام، الذي تضمن تأمين وتجهيز رادارات أرضية وشبكات اتصالات، ومراكز عمليات على مستوى السعودية، تكون مرتبطة مع بعضها، فيما عرف بنظام القيادة والسيطرة والاتصالات. حصلت السعودية على طائرات الإنذار المبكر من طراز أواكس وطائرات التزود بالوقود جوًّا، ووقع عقد مشروع اليمامة في عام 1406هـ/1985م، وتوفرت للقوات الجوية أسراب من طائرات التورنيدو الهجومية والدفاعية، وطائرات هوك ت – 65 للتدريب المتقدم وطائرات بيلاتوس بي سي 9.
التحديث المستمر في عهد الملك عبد الله
استكملت القوات الجوية الملكية السعودية عملية التحديث والتطوير للرفع من قدراتها الدفاعية والهجومية وتحديث الأنظمة الرادارية في عهد الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود، إذ اشترت المملكة طائرة التايفون وأدخلتها في الخدمة عام 1430هـ/2009م، وفي عام 1433هـ/2012م، اشترت السعودية مجموعة من طائرات إف – 15 المطورة، إضافة إلى تحديث مجموعات أخرى من الطائرات العمودية.
القوات الجوية الملكية السعودية في عهد الملك سلمان
في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، استمرت القوات الجوية في تطوير وتحديث الأطقم الجوية ومنظوماتها، وشمل ذلك: طائرات هوك 165، ومنظومات طائرات التزود بالوقود، وطائرات النقل التكتيكي كي سي – 130 جي، ومنظومة الاستطلاع وطائرة كينج آير أي 350، ومنظومة الطائرات القتالية إف 15 إس أي، ومنظومة الطائرات بدون طيار وينج لونج سي إتش 4.
كما صدر الأمر السامي في 23 ذو الحجة 1436هـ/6 أكتوبر 2015م، بتعديل اسم قاعدة الرياض الجوية لتصبح قاعدة الملك سلمان الجوية بالقطاع الأوسط، وفي 29 جمادى الأولى 1437هـ/9 مارس 2016م، افتتح خادم الحرمين الشريفين قاعدة الملك سعود الجوية بالقطاع الشرقي في محافظة حفر الباطن.
منشآت القوات الجوية الملكية السعودية
تضم منظومة القوات الجوية الملكية السعودية منشآت تعليمية وتدريبية خاصة، منها: كلية الملك فيصل الجوية، التي تأسست عام 1387هـ/1968م، بعد تطوير مدرسة سلاح الطيران وتغيير تسميتها، ومعهد الدراسات الفنية للقوات الجوية، في مدينة الظهران، وهو معهد يختص بتعليم وتدريب الفنيين على صيانة طائرات القوات الجوية، وتشغيل منظوماتها المساندة المختلفة.
كما أنشأت السعودية عام 1440هـ/2019م مركز الحرب الجوي، في قاعدة الملك عبدالعزيز بالظهران، ويوفر المركز قدرة متطورة في تدريب الأطقم الجوية والمساندة لها، في واقع مماثل للحرب الحديثة، كما يوفر اختبار وتقييم الأنظمة والأسلحة ومدى فاعليتها وتأثيرها، للتأكد من جاهزيتها للتنفيذ، وتُجرى فيه العمليات الخليجية المشتركة، وفي حالة العمليات الفعلية يكون المركز مقر قيادة العمليات القتالية الجوية على مستوى دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية.
و أخيرا وليس آخرا في نهاية المقال :
القوات الجوية الملكية السعودية، التي بدأت بطائرات متواضعة في جزيرة دارين، تطورت لتصبح قوة جوية حديثة ومجهزة بأحدث التقنيات والمنظومات. هذا التطور لم يكن مجرد تحديث للمعدات، بل رؤية استراتيجية تهدف إلى حماية سماء المملكة وضمان أمنها. فهل ستشهد الأعوام القادمة المزيد من التطورات والتقنيات التي تعزز من قدرات هذه القوات وتجعلها في مصاف القوى الجوية العالمية؟











