متحف رضوى: صرح ثقافي يروي تاريخ ينبع وتراثها العريق
لطالما كانت المتاحف بوابات زمنية تُشرّع أبوابها للماضي، فتكشف عن خفايا الحضارات وتجليّات المجتمعات التي سبقتنا. وفي قلب مدينة ينبع الساحلية، إحدى مدن المنطقة الغربية بالمملكة، يبرز متحف رضوى كأحد هذه البوابات، ليس مجرد مستودع للمقتنيات، بل سجلٌ حي يروي قصة منطقة بأسرها. إنه دعوة لاكتشاف التراث المحلي الغني، والغوص في تفاصيل الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي صاغت هوية هذا الجزء الحيوي من أرض الحجاز عبر قرونٍ متوالية. يمثل المتحف نافذةً فريدة على تاريخ ينبع العريق، حيث تتجلى فيه بصمات الأجداد وعبق الأزمان الغابرة، مقدماً للزوار رحلة استكشافية عميقة في ذاكرة المكان.
نشأة متحف رضوى: شغف فردي يُثمر إرثًا جماعيًا
تأسس متحف رضوى قبل عام 1447 هـ (2025 م)، محولاً شغفاً شخصياً إلى صرح ثقافي يخدم الأجيال. بدأت حكاية هذا المتحف على يد سالم الحجوري، أحد أبرز المهتمين بالتراث الشعبي في المنطقة، الذي حوّل منزله الخاص إلى مركز ثقافي نابض بالحياة. هذه المبادرة الفردية تعكس نموذجاً فريداً لتفاني الأفراد في صون الموروث المحلي، وتؤكد على الأثر الكبير الذي يمكن أن يحدثه الشغف في الحفاظ على الهوية الثقافية. لقد أمضى الحجوري ما يقرب من ثلاثة عقود في جمع وتصنيف آلاف القطع والمقتنيات التراثية، بعضها يعود تاريخه إلى مئات السنين، ليجسد بذلك ذاكرةً حية للمنطقة.
من هواية الطفولة إلى تأسيس متحف متكامل
لم يولد اهتمام الحجوري بالتراث من فراغ، بل نبع من تأثير والده منذ طفولته المبكرة، حيث بدأ بجمع الكتب والمجلات والطوابع البريدية، في عادة تعكس ميلاً فطرياً للحفظ والتوثيق. ومع مرور الزمن، نما هذا الاهتمام وتطور ليصبح شغفاً شاملاً يحتضن مجموعة واسعة من المقتنيات والأدوات التراثية الشعبية. هذا التحول من هواية شخصية إلى إنشاء متحف رضوى متكامل، يؤكد على الدور المحوري للأفراد في بناء الذاكرة الجماعية للمجتمعات، ويبرز كيف يمكن للشغف أن يكون المحرك الأساسي لإثراء المشهد الثقافي وتعميق الوعي التاريخي.
كنوز متحف رضوى: بانوراما من المراث التاريخي
يحتضن متحف رضوى ثروة هائلة من المقتنيات والأدوات، يتجاوز عددها 100 ألف قطعة، منظمة بدقة وعناية فائقة ضمن أقسام متعددة. كل قسم من هذه الأقسام يُعد فصلاً في الرواية الكبرى لـتاريخ ينبع، مصممة بعناية لتقدم للزائر جولة معرفية متعمقة، تتناول جوانب مختلفة من تاريخ ينبع والمنطقة المحيطة بها، وتكشف عن أبعادها الحضارية المتفردة.
القسم النقدي: شهادة على التحولات الاقتصادية
يُعد القسم النقدي في المتحف من الأقسام الأكثر أهمية، إذ يسلط الضوء على تطور العملات عبر العصور، مقدماً صورة واضحة عن التحولات الاقتصادية التي شهدتها المنطقة. يضم هذا القسم جميع الإصدارات النقدية السعودية المتسلسلة، بدءًا من عهد المؤسس الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، وصولًا إلى أحدثها. إضافة إلى ذلك، يعرض مجموعة نادرة من الدنانير الذهبية والفضية، وكذلك دراهم استخدمت في العهد الروماني وبدايات الدولة الإسلامية، ما يوفر رؤية شاملة لتاريخ التجارة والتبادل في المنطقة.
القسم التراثي: نبض الحياة اليومية للأجداد
يركز القسم التراثي على عرض الأدوات التي كانت جزءًا لا يتجزأ من النسيج اليومي لحياة الأجداد، مما يعكس طبيعة معيشتهم وتكيفهم مع البيئة. يضم هذا الجزء أواني الطهي التقليدية، الفخاريات المتنوعة، والنحاسيات المزخرفة التي تعكس براعة الحرفيين. كما يضم مقتنيات عصرية نسبيًا كالهواتف والكاميرات القديمة، التي توثق مراحل التطور التقني. هذه المعروضات تُبرز التطور في الأدوات المنزلية والحرفية، وكيف تكيفت المجتمعات مع متطلبات الحياة المختلفة عبر الزمن، محافظًا على هويتها الثقافية الأصيلة.
القسم البحري: أعماق البحر الأحمر تروي حكاياتها
نظرًا للموقع الاستراتيجي لمدينة ينبع على ساحل البحر الأحمر، يحظى الجانب البحري باهتمام خاص في المتحف، ويُشكل جزءاً أساسياً من تراث ينبع. يعرض هذا القسم مجموعة مدهشة من أسماك البحر الأحمر المحنطة، والشعاب المرجانية الفريدة، بالإضافة إلى القواقع والأصداف المتنوعة التي تُظهر الثراء البيولوجي للمنطقة. كما يضم أدوات الصيد التقليدية وبعض الوثائق البحرية التي تسلط الضوء على تاريخ الملاحة والتجارة البحرية. هذا القسم لا يُبرز فقط الثراء البيئي، بل يروي أيضًا قصة العلاقة التاريخية بين الإنسان والبحر، وكيف شكّل مصدر رزق وتواصل حضاري.
أقسام إضافية: تنوع ثقافي وتاريخي في رحاب المتحف
إلى جانب الأقسام الرئيسة، يضم متحف رضوى أقسامًا فرعية تُثري التجربة الثقافية للزوار، وتقدم لهم لمحات أعمق عن تاريخ المنطقة وحضارتها:
- قسم اللقاءات التاريخية: يعرض تفاصيل لقاء تاريخي جمع الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود والملك فاروق، والذي كان من نتائجه فكرة تأسيس جامعة الدول العربية، في إشارة إلى دور المملكة المحوري في المنطقة.
- قسم المنسوجات والملابس والمحنطات: يضم تشكيلة واسعة من الأزياء التقليدية والمنسوجات التي تعكس الأناقة الحرفية للمنطقة، وتنوع أنماط اللباس عبر العصور.
- قسم الفنون التشكيلية: يعرض أعمالًا فنية تعبر عن الهوية الثقافية والتراثية، وتُظهر إبداع الفنانين المحليين.
- قسم الأسلحة الحربية: يشتمل على أسلحة قديمة مثل البنادق، السيوف، والدروع المنقوشة باللغة العربية، مما يبرز تاريخ الدفاع والصراعات المحلية، ويُقدم نظرة على فنون القتال.
- المكتبة: تضم مجموعة نادرة من المخطوطات، الكتب، والصحف القديمة، بالإضافة إلى نماذج من الدكاكين القديمة، وصائغ للمجوهرات، ومزين، فضلاً عن مرافق البيت الحجازي التقليدي مثل المجلس، المطبخ، وغرفة العروس، التي تُقدم لمحة حقيقية عن نمط الحياة الاجتماعية في السابق.
وأخيراً وليس آخراً
يمثل متحف رضوى في ينبع صرحًا ثقافيًا ومعرفيًا ذا قيمة استثنائية، فهو ليس مجرد متحف يجمع قطعًا أثرية، بل هو مرآة تعكس عمق تاريخ ينبع وتنوعها الثقافي. إنه شهادة حية على شغف أفراد أسهموا في حفظ الذاكرة الوطنية، ومصدر إلهام للأجيال الجديدة للتعرف على جذورها العريقة، وفهم ماضيها الزاهر. فهل تُدرك متاحفنا المحلية كافة الأهمية العظمى لهذه الكنوز التراثية، وتسعى لتوسيع نطاق تأثيرها لتكون منارات ثقافية إقليمية وعالمية، قادرة على جذب الباحثين والسياح من كل حدب وصوب، وتقديم رؤية متكاملة لـتراث المملكة الغني؟











