حاله  الطقس  اليةم 0.6
موميل,الولايات المتحدة الأمريكية

الهجرة النبوية: نموذج عملي لمواجهة الأزمات والتحديات اليوم

بوابة السعودية
أعجبني
(0)
مشاهدة لاحقا
شارك
الهجرة النبوية: نموذج عملي لمواجهة الأزمات والتحديات اليوم

التمكين الإيماني: دروس من الهجرة النبوية في مواجهة التحديات

تُعدّ أمة الإسلام الدرع الواقي والمنارة الهادية في وجه التحديات الجسام والأزمات المتلاحقة التي قد تهز النفوس وتثقل القلوب. فبينما تتوالى المآسي وتتعاظم النكبات، وتُحاك المكائد والمؤامرات ضد قيم الإسلام وأهله، يبقى الأمل راسخًا في وعد الله بنصره وتمكينه. إن دروس الهجرة النبوية، بكل ما تحمله من عبر وإرشادات، تظل حاضرة بيننا، لتنير لنا سبل العزم وتُجدّد معاني الثقة بالله، مؤكدة أن الصراع مستمر وأن النصر قادم لمن تمسك بالحق.

“لا تحزن إن الله معنا”: آية الصبر واليقين

“لا تحزن إن الله معنا” ليست مجرد آية قرآنية، بل هي كلمة ربانية خالدة أنزلها الله سبحانه وتعالى على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، في لحظة فارقة من تاريخ الدعوة. نزل بها أمين وحي السماء، جبريل عليه السلام، إلى أمين أهل الأرض، محمد صلى الله عليه وسلم، لتُبلغ الأمة بسياقها التاريخي العميق ومضمونها الإيماني الخالد. كانت هذه الكلمات بمثابة نور يضيء درب الهادي الأمين وهو يحمل أمانة الرسالة الخاتمة، في زمن كانت البشرية أحوج ما تكون إلى الهداية والإيمان.

المواجهة الأولى: تحديات مكة وقيم الإسلام الجديدة

كان هذا الوحي يهبط على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في طريقه إلى المدينة المنورة، بعد أن ضاق كبار الشرك وكبراء قريش في مكة ذرعًا بالدعوة الجديدة. لقد جاء الإسلام بقيم ومثل عليا قلبت مفاهيم الجهل والعصبية رأسًا على عقب، ليحل محلها مبادئ الهداية والنور والمساواة. فكانت شعارات مثل: “إن أكرمكم عند الله أتقاكم” و “لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى” ثورة حقيقية غيّرت موازين القوة الاجتماعية. لقد رفعت هذه القيم أقدار رجال آمنوا بها وضحوا في سبيلها، مثل سلمان الفارسي، وصهيب الرومي، وبلال الحبشي، وأبي بكر الصديق، وعمار بن ياسر. وفي المقابل، وضعت هذه الدعوة آخرين اعترضوها وكذبوا بآيات الله واستهزؤوا بها، كأمثال أبي جهل وأمية بن خلف.

غار ثور: لحظة التوكل والثبات

بينما كان النبي الهادي صلى الله عليه وسلم يتخفى عن قريش في غار ثور برفقة صديقه الصديق رضي الله عنه، كانت خيل المشركين ورجالهم يمشطون المكان، بحثًا عن أي أثر لهما. في تلك اللحظة الحرجة، شعر أبو بكر باقترابهم الشديد، فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: “لو رفع أحدهم رجله لرآنا تحته”، تعبيرًا عن شدة القرب وخوفًا على الدعوة. هنا، أطلق النبي صلى الله عليه وسلم كلمته الخالدة التي أصبحت مبدأ إيمانيًا وقمة في التوكل والثقة بوعد الله: “ما ظنك باثنين الله ثالثهما يا أبا بكر”. وما تلا ذلك من بيان إلهي في سورة التوبة: {فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 40]. هذه الآية تؤكد أن العزة والتمكين والحكمة البالغة لله وحده، وأن مشيئته هي النافذة بلا راد لقضائه.

إشراقة المدينة: بناء الحضارة من الهجرة

وصلت قافلة الدعوة ونور الهداية بسلام إلى المدينة المنورة، حيث أشرقت شمس الإسلام على ربوعها. {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ} [الأنعام: 115]. امتد الدين ليشمل مشارق الأرض ومغاربها، واستظل به من شاء الله. هذه الدعوة المباركة والحضارة الإسلامية السامية امتدت لقرون عديدة، أنتجت خلالها إنجازات علمية ومعرفية لم يسبق لها مثيل في زمن قصير. فترجمت كتب الإغريق والفرس والرومان إلى العربية، واختير منها النافع، وبُني عليه وطُوّر، فيما استبعد ما سواه. ورغم تسرب بعض الأفكار المنحرفة والاتجاهات الجدلية في علم الكلام، كمسألة خلق القرآن، إلا أنه تم التغلب عليها واجتثاثها.

الحضارة الإسلامية: من الازدهار إلى التراجع

سارت قافلة الحضارة الإسلامية متعالية على التحديات، إلى أن وضع المسلمون حبل السفينة على الشاطئ، فاستراحوا برهة. لكن هذا الاستراحة تحولت تدريجيًا إلى انشغال بالترف واللهو، مما أدى إلى غياب العناية الإلهية والمدد الرباني. فالملك والتمكين لم يكن متاعًا يُورث، ولم تكن خصائص النصر جينات تنتقل بالوراثة، بل هي عناية إلهية وتمكين من الله يأتي بمعادلة واضحة، يفقهها ويقدم عليها من أوفى بالبيعة مع الله. هذه البيعة نصت عليها الآية الكريمة: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 111].

دروس من الهجرة النبوية: رؤية تحليلية للحاضر

تمتد دلالات المشهد الإسلامي القديم لتغطي واقع المسلمين اليوم، وتصب روافده المتشعبة في قضايا تستعصي على التناول الشامل. إلا أننا نرى في محطات بارزة من الهجرة النبوية تحليلًا وتعليقًا يعزز فهمنا لمواجهة تحديات العصر.

المشهد الأول: الأخذ بالأسباب والتوكل

يتجلى المشهد الأول في قطع الرسول صلى الله عليه وسلم لمسافة ستمائة كيلومتر على الإبل من مكة إلى المدينة، في تستر وحيطة تامة، مع الأخذ بجميع الأسباب. رغم كونه الرسول المؤيد بوحي السماء والموعود بالنصر، والقادر على أن يجعل النصر بجيش من الملائكة، إلا أن الله شاء أن يكون قدوة للمسلمين في الأوائل والأواخر. ليعلم المسلمون أن النصر لا يأتي بالمعجزات وحدها، بل يتطلب العمل الجاد والكفاح المستمر، والأخذ بالأسباب المتاحة مع التوكل على الله. هذا يقطع الطريق على من يقول إنها كانت معجزة لا يمكن تحقيقها في غياب نبي.

المشهد الثاني: الحذر والتكتم على الدعوة

يبرز المشهد الثاني في تكتم النبي صلى الله عليه وسلم وخروجه في جنح الليل من البوابة الخلفية لدار أبي بكر الصديق، وأمره لعبد الله بن أبي بكر أن يأتيهما ليلًا بغنمه في الغار ليشربوا من ألبانها، وليقص عليهم أخبار ملاحقة قريش، ثم يُعفي أثره بآثار الغنم. هذه كلها دروس بليغة في الحذر وأخذ الحيطة والتكتم على الأمور التي قد تضر بالدعاة والدعوة. تتشابه هذه الصورة مع قصة أصحاب الكهف، حيث وصوا صاحبهم الذي خرج لجلب الطعام بقولهم: {وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا} [الكهف: 19]. وكان الهدف واضحًا: {إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا} [الكهف: 20]. هذا يُظهر أهمية فقه الواقع والجهاد وشروطه وآلياته الفقهية، بعيدًا عن الاندفاع الذي قد يعرض الدعاة والدعوة لمخاطر جسيمة.

المشهد الثالث: الفداء في أبهى صوره

يُبرز المشهد الثالث فداء أبي بكر الصديق رضي الله عنه، الذي دخل غار ثور قبل الرسول صلى الله عليه وسلم، ليمشطه ويتأكد من سلامته. وأثناء نوم النبي صلى الله عليه وسلم، لاحظ أبو بكر ثقبًا في أحد جوانب الغار، فسده بقدمه خشية أن يخرج منه ما يؤذي الرسول، فبقي صابرًا وصامدًا حتى لا ينغص على النبي نومه. إنه الفداء بأجمل صوره وأصدق معانيه، وحب الله ورسوله بدرجة لم يبلغها في بواكير الدعوة إلا الصديق رضي الله عنه. هذه الروح هي ما سبقت الصحابة الناس جميعًا، حيث لن يبلغ أحد مد أحدهم أو نصيفه، ولو أنفق جبل أحد ذهبًا. فوعود الله ما زالت قائمة، وشروط التمكين والنصر لم تتغير: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} [محمد: 7].

وأخيرًا وليس آخرًا

إن دروس الهجرة النبوية لا تزال نبراسًا يضيء لنا دروب الحياة، فهي لم تكن مجرد حدث تاريخي، بل هي منهج متكامل في التوكل، والأخذ بالأسباب، والحذر، والتضحية، والفداء. إنها دعوة صادقة لكل مسلم لإعادة قراءة هذه المحطات بوعي عميق، لاستلهام العبر وتطبيقها في واقعنا المعاصر. فهل تستنهض هذه الأحداث همم شباب الأمة اليوم، ليصدقوا الله في نصرة دينه، ويتحركوا بوعي وفقه، مجسدين قيم الصديق والفاروق، ليُعمّروا الأرض عدلًا وطاعة، ويخلدوا إنجازات الأجداد، أم أنهم سيخلدون إلى الأرض ويتبعون أهواءهم؟ إن الله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.