الزراعة بمنطقة نجران: ثروة غذائية ومستقبل واعد للمملكة
لطالما كانت الأرض الخصبة منبع الحياة ومحرك الحضارات، وفي قلب الجزيرة العربية، تبرز منطقة نجران كواحة زراعية تضرب جذورها عميقاً في التاريخ، وتمثل اليوم ركيزة أساسية للأمن الغذائي في المملكة العربية السعودية. لا تقتصر أهميتها على كونها مصدراً للغذاء فحسب، بل تمتد لتشمل البعد الاقتصادي والاجتماعي، حيث تدعم العديد من الأسر وتساهم في التنمية المستدامة. مع مساحة حيازات زراعية تقدر بنحو 27 ألف هكتار، تروي نجران قصة تكيف الإنسان مع بيئته وتطويعها لإنتاج الخير، مستفيدة من مقومات طبيعية فريدة وجهود تنموية مستمرة.
مقومات نجران الزراعية: تنوع بيئي وجهود حثيثة
تمتلك منطقة نجران ومحافظاتها كنوزاً زراعية لا تقدر بثمن، تبدأ بخصوبة أراضيها وتستمر مع اعتدال أجوائها على مدار العام، وهو عامل حيوي يسمح بتنوع المحاصيل ودورات زراعية متعددة. يضاف إلى ذلك التنوع الجغرافي الساحر، حيث تتناغم المرتفعات الجبلية مع السهول الشاسعة، مما يوفر بيئات متعددة لأنواع مختلفة من الزراعات. هذه المقومات الطبيعية تُعزز اليوم بتوظيف التقنيات الزراعية الحديثة التي ترفع من كفاءة الإنتاج وتضمن استدامة الموارد، مما يعكس رؤية شاملة للنهوض بالقطاع.
كنوز نجران الخضراء: محاصيل متنوعة تغذي الوطن
تشتهر الأراضي الزراعية في نجران بإنتاج مجموعة واسعة من المحاصيل التي تلبي احتياجات الأسواق المحلية. من الخضراوات الطازجة، تبرز أنواع مثل الطماطم، الخيار، الباذنجان، الكوسة، الفاصوليا، والبصل. ولا تخلو مزارعها من الأعشاب العطرية كالنعناع والبقدونس، إضافة إلى الخس. أما فيما يخص الفاكهة، فتشتهر المنطقة بزراعة الحمضيات بأنواعها المختلفة، مثل: البرتقال، اليوسفي، والليمون، التي تعد من المحاصيل ذات القيمة الاقتصادية العالية.
بالإضافة إلى ذلك، تشتهر نجران بـالبر النجراني الفاخر بأنواعه المتعددة مثل: الصمّا، والسمّرا، والزراعي، التي تمثل جزءاً من التراث الغذائي للمنطقة. ولا يمكن الحديث عن زراعة نجران دون ذكر النخيل الذي يثمر أجود أنواع التمور، كـالخلاص، البياض، الرطب، البرحي، والمواكيل، والتي تعد من الموارد الاقتصادية الهامة ومصدراً غنياً بالطاقة.
رعاية حكومية وتطوير مستمر للقطاع الزراعي
تدرك بوابة السعودية أهمية الزراعة بمنطقة نجران، ولذلك تتبنى الجهات الحكومية ممثلة بفرع وزارة البيئة والمياه والزراعة، استراتيجيات متكاملة لتنمية هذا القطاع الحيوي. تشمل هذه الجهود تقديم خدمات الإرشاد الزراعي للمزارعين، من خلال تنظيم ندوات إرشادية وورش عمل متخصصة. تهدف هذه الفعاليات إلى توعية المزارعين بأحدث طرق الزراعة المستدامة، وتقنيات الري الحديثة التي تسهم في ترشيد استهلاك المياه، وهو أمر بالغ الأهمية في منطقة صحراوية.
كما تُركز هذه الجهود على حث المزارعين على الالتزام بالاستخدام الأمثل للمبيدات والأسمدة، وفقاً للمعايير العلمية الصحيحة، مع التأكيد على صلاحيتها لضمان جودة وسلامة المنتجات الزراعية. يتم ذلك عبر تفعيل الأعمال الرقابية الصارمة على المحاصيل، لحماية المستهلكين وضمان وصول منتجات آمنة وصحية إليهم. هذه البرامج التدريبية تسهم بشكل كبير في نقل الخبرات والتجارب الناجحة للمزارعين، مما يعزز من كفاءتهم ويزيد من إنتاجيتهم.
مركز أبحاث وتطوير البستنة: شريان الابتكار الزراعي
في إطار السعي نحو التميز الزراعي، يلعب مركز أبحاث وتطوير البستنة في منطقة نجران دوراً محورياً في تطوير المحاصيل ذات القيمة الاقتصادية العالية، لا سيما المحاصيل البستانية. يعمل المركز على توفير شتلات الحمضيات والفواكه الأخرى التي تخلو من الأمراض، لضمان صحة النباتات وجودة الإنتاج. يتجاوز دور المركز ذلك إلى تقديم التقنيات الزراعية الحديثة والإرشاد الزراعي المتخصص، بالإضافة إلى توعية المزارعين وإرشادهم للمحافظة على أشجار الحمضيات التي تشكل أحد أهم المحاصيل الزراعية في نجران.
زراعة الحمضيات في نجران: قصة نجاح وجهود متواصلة
تنتشر زراعة الحمضيات في منطقة نجران على مساحة تقدر بـ5 آلاف هكتار، مما يعكس أهميتها الاقتصادية والغذائية. يواصل مركز أبحاث وتطوير البستنة دوره الرائد في توعية المزارعين وتزويدهم بالخبرة اللازمة لتأسيس وإدارة المزارع المتخصصة في زراعة الحمضيات. يتم ذلك من خلال إجراء تجارب مستمرة لاختيار الأصول والأصناف الأنسب لكل منطقة، بناءً على نوعية التربة المتوفرة وجودة المياه.
لقد حقق المركز إنجازات ملموسة، حيث أنتج أكثر من 1.7 مليون شتلة مطعمة خالية من الأمراض الفيروسية، شبه الفيروسية، والبكتيرية. هذا الإنجاز يضمن أن كل ما يزرع في المنطقة سيكون من أشجار معتمدة وسليمة، مما يقلل بشكل كبير من انتشار الأمراض النباتية. تم اعتماد بعض الأصناف لإكثارها تجارياً وتوزيعها على المزارعين في نجران وبقية أنحاء المملكة، مما يعزز من التوسع في زراعة هذه الفاكهة المهمة. كما يجري المركز أبحاثاً مكثفة على أصول الحمضيات، خصوبة التربة، تغذية الحمضيات، التسميد، الري، وقاية النبات، والمعاملات الزراعية، بهدف تزويد المزارعين بأحدث التقنيات لرعاية أشجار الحمضيات عبر الإرشاد والتدريب المستمر.
وأخيرا وليس آخرا: مستقبل نجران الأخضر
تُعد الزراعة بمنطقة نجران قصة نجاح متواصلة، مدعومة بمقومات طبيعية فريدة وجهود حثيثة من الجهات الرسمية والمزارعين. إنها شهادة على القدرة على تحويل التحديات البيئية إلى فرص للنمو والازدهار. من المحاصيل المتنوعة إلى التقنيات الحديثة والأبحاث المتطورة، ترسخ نجران مكانتها كمساهم رئيسي في تحقيق الأمن الغذائي للمملكة. فهل ستستمر هذه الواحة الخضراء في التوسع، لتصبح نموذجاً يحتذى به في التنمية الزراعية المستدامة في مناطق أخرى من العالم ذات الظروف المشابهة؟ إن المستقبل يحمل الكثير لهذه الأرض المعطاءة، ومعه تتجدد الآمال في تحقيق الاكتفاء الذاتي وتعزيز الاقتصاد الوطني.











