مكافحة التصحر ودور القطاع الخاص: استراتيجية عالمية للتعافي الاقتصادي والبيئي
يشكل تدهور الأراضي أحد التحديات الوجودية الأكثر إلحاحًا التي تواجه كوكبنا في العصر الحديث. فآثاره المدمرة لا تقتصر على النظم البيئية فحسب، بل تمتد لتضرب في صميم الأمن الغذائي والمائي، وتهدد استقرار المجتمعات وسبل عيش الملايين حول العالم. في ظل هذه الظروف، بات من الضروري، بل الحتمي، إشراك كافة الأطراف الفاعلة لمواجهة هذه الظاهرة المتفاقمة. يأتي في مقدمة هذه الأطراف القطاع الخاص، بفضل ما يمتلكه من قدرات تمويلية هائلة، وإمكانات ابتكارية متجددة، وخبرات تشغيلية لا غنى عنها لإحداث تحول حقيقي ومستدام.
في سياق هذه الجهود الدولية، مثلت ورشة العمل التي نظمتها رئاسة مؤتمر الأطراف السادس عشر لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر (COP16) محطة استراتيجية بالغة الأهمية. لقد وجهت هذه الورشة دعوة صريحة وموجهة لشركات الأعمال ورؤوس الأموال العالمية للانخراط بفاعلية أكبر في مبادرات استصلاح الأراضي. وقد أجمع المشاركون على أن دور القطاع الخاص يتجاوز بكثير مجرد تحقيق الأرباح، ليمتد ليشمل حماية البيئة ودعم الاقتصادات على الصعيدين الوطني والعالمي.
الرؤية السعودية ومبادرة المنطقة الخضراء
تتجلى هذه الدعوة العالمية بشكل واضح ومتسق مع الرؤية الطموحة للمملكة العربية السعودية، التي كان لها شرف استضافة مؤتمر COP16 في وقت سابق. تسعى المملكة جاهدة لتحفيز الشركات العاملة على أرضها، وعلى مستوى المنطقة ككل، لاستكشاف الفرص الواعدة التي تقدمها المنطقة الخضراء. تعد هذه المبادرة سابقة تاريخية في مسيرة المؤتمر، حيث صُممت لتكون منصة حيوية للتعاون.
تهدف المنطقة الخضراء إلى جمع الشركات والمؤسسات المالية والمنظمات غير الحكومية والمجتمع العلمي تحت سقف واحد. الهدف الأسمى من هذا التجمع هو تنسيق الجهود المشتركة وتطوير حلول مبتكرة للحد من تدهور الأراضي ومعالجته بفعالية، بما يضمن مستقبلًا أكثر استدامة للأجيال القادمة.
مكافحة التصحر والأثر الاقتصادي: حوافز بيئية ومالية
لم يعد الاستثمار في مكافحة التصحر مجرد واجب بيئي، بل أصبح استراتيجية اقتصادية ذكية. فقد أكد وكيل وزارة البيئة والمياه والزراعة والمستشار لرئيس مؤتمر COP16، على المزايا المتعددة التي يمكن أن تجنيها الشركات من تبني ممارسات الإدارة المستدامة للأراضي. هذه الممارسات لا تساهم في التخفيف من تأثير تدهور الأراضي فحسب، بل تعود بفوائد اقتصادية جمة على المدى الطويل، مما يعزز من قيمة الاستثمار البيئي.
وأوضح المتحدث أن الأراضي تعد من الموارد الحيوية والعمود الفقري الذي تستند إليه الاقتصادات وسلاسل التوريد العالمية. هذا يبرز أن استصلاح الأراضي ليس مجرد خيار، بل ضرورة قصوى لضمان الاستقرار التجاري والاقتصادي على نطاق عالمي. هذا المنظور يؤكد أن أي استثمار في البيئة هو في جوهره استثمار في المستقبل الاقتصادي المزدهر.
دراسات تكشف عن العوائد المالية للاستثمار في استصلاح الأراضي
في تعزيز لهذا الطرح، استعرض المشاركون في الورشة نتائج دراسات حديثة مرتبطة باتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر. تُبرز هذه الدراسات العوائد المالية المجزية للاستثمار في مشاريع استصلاح الأراضي المتدهورة. وتُشير بوضوح إلى أن كل دولار واحد يُستثمر في هذه المشاريع يمكن أن يُحقق عائدات اقتصادية تصل إلى 30 دولارًا، وهو ما يؤكد الجدوى الاقتصادية العالية للمشاريع البيئية.
وفي سياق متصل، سلط تقرير صادر عن مبادرة اقتصاديات تدهور الأراضي الضوء على أن تبني الإدارة المستدامة للأراضي يمكن أن يسهم في زيادة إنتاج المحاصيل بقيمة تصل إلى 1.4 تريليون دولار. ورغم أن حجم السوق المرتبط بحلول مكافحة التصحر يتجاوز 200 مليار دولار، فإن إسهامات القطاع الخاص في الحلول الطبيعية وآليات تمويل استصلاح الأراضي لا تتجاوز 35 مليار دولار، وفقًا لتقديرات برنامج الأمم المتحدة للبيئة. هذه الأرقام تكشف عن وجود فجوة تمويلية كبيرة تتطلب جسرها عبر تحفيز أكبر لمشاركة القطاع الخاص.
المنطقة الخضراء ومنتدى القطاع الخاص: منصات للابتكار والتعاون
ضمن حملة عالمية أوسع سبقت انطلاق مؤتمر COP16 الذي استضافته الرياض، كانت رئاسة المؤتمر قد أطلقت مبادرة المنطقة الخضراء. في سابقة تاريخية، قدم المؤتمر هذه المنطقة كفضاء فريد لتعزيز التعاون بين الشركات، والمؤسسات المالية، والمنظمات غير الحكومية، والمجتمع العلمي. الهدف الأسمى هو تطوير حلول مبتكرة وفعالة للتصدي لتدهور الأراضي.
بالإضافة إلى ذلك، جمع منتدى القطاع الخاص من أجل الأراضي الذي عُقد خلال المؤتمر نخبة من القادة العالميين. وقد تمحورت نقاشاتهم حول الضرورات الاقتصادية لممارسات الأراضي المستدامة، مما يعكس تزايد الوعي بأهمية القطاع الخاص كشريك محوري في تحقيق أهداف الاستدامة البيئية.
استصلاح الأراضي: ضرورة بيئية واستراتيجية أعمال ذكية
في ظل استمرار التحديات الكبيرة التي يفرضها تدهور الأراضي، والذي يؤثر على ما يزيد عن 3.2 مليار شخص حول العالم، تخطط رئاسة COP16 لدعم العمل البيئي الذي تقوده الشركات. إن الرسالة الموجهة إلى جميع المعنيين واضحة وجلية: إن استصلاح الأراضي ليس فقط ضرورة بيئية مُلحة لا يمكن التهاون فيها، بل هو استراتيجية أعمال ذكية وواعدة تفتح آفاقًا جديدة للنمو.
يمثل هذا التوجه تحولًا نوعيًا في فهم العلاقة المتكاملة بين حماية البيئة والنمو الاقتصادي المستدام. ويؤكد هذا المنظور على أن الاستدامة ليست عبئًا إضافيًا، بل هي فرصة حقيقية للازدهار، والابتكار، وتحقيق مكاسب بيئية واقتصادية متوازنة على المدى الطويل.
دور بوابة السعودية في تعزيز الوعي
تُسهم بوابة السعودية بدور حيوي في نشر الوعي حول هذه القضايا المحورية ذات الأهمية القصوى. من خلال تقديم معلومات تحليلية وتغطية معمقة، تهدف بوابة السعودية إلى تسليط الضوء على أهمية مكافحة التصحر، وعلى الدور المحوري الذي يمكن أن يلعبه القطاع الخاص في تحقيق أهداف التنمية المستدامة. هذه الجهود الإعلامية تعد جزءًا لا يتجزأ من الحراك الوطني والعالمي نحو مستقبل أكثر استدامة وازدهارًا.
وأخيرًا وليس آخرًا
لقد كشفت ورشة عمل COP16 والفعاليات المرتبطة بها عن رؤية عميقة تتجاوز مجرد الدعوة إلى العمل البيئي، لتضع مكافحة التصحر واستصلاح الأراضي في صميم الأجندات الاقتصادية للشركات. إن التحدي يكمن الآن في تحويل هذه الرؤى الطموحة والأرقام المشجعة إلى استثمارات حقيقية ومشاريع فعالة على أرض الواقع. فهل ستكون المنطقة الخضراء ومنتديات القطاع الخاص هي الشرارة التي تدفع عجلة الاستدامة لتغيير المشهد العالمي للأراضي، أم أن الحاجة إلى التمويل والابتكار ستظل أكبر من الجهود المبذولة؟ المستقبل وحده كفيل بالإجابة على هذا التساؤل المصيري الذي يتعلق بمستقبل كوكبنا وازدهار أجياله القادمة.











