مهرجان العلا للتمور: رحلة في قلب الثقافة الزراعية والتنمية الاقتصادية
تُعد التمور في المملكة العربية السعودية أكثر من مجرد محصول زراعي؛ إنها جزء لا يتجزأ من النسيج الثقافي والتاريخي والاقتصادي للبلاد. ومن بين الفعاليات التي تُبرز هذا العمق، يبرز مهرجان العلا للتمور، الذي يمثل احتفالاً سنوياً بهذا المنتج الاستراتيجي. وقد شكّل مهرجان العلا للتمور 2022، الذي جرى في الرابع من ربيع الأول 1444هـ الموافق 29 سبتمبر 2022م تحت شعار “ذُوق فخرنا”، محطة مهمة في مسيرة تطوير قطاع التمور، بتنظيم واعد من الهيئة الملكية لمحافظة العلا في قرية الفرسان شمال غرب المملكة. لم يكن هذا المهرجان مجرد سوق للتمور، بل كان منصةً شاملةً عكست الطموحات التنموية للمنطقة والمملكة ككل، مستحضراً إرث الماضي ومستشرفاً آفاق المستقبل.
أبعاد اقتصادية واجتماعية لمهرجان التمور
لم تقتصر أهداف مهرجان العلا للتمور 2022 على مجرد عرض وبيع التمور، بل تجاوزت ذلك إلى صميم التنمية المستدامة الشاملة. فقد سعى المهرجان إلى توفير تجربة متكاملة تجمع بين الجانبين الاقتصادي والاجتماعي، بهدف تعزيز النمو في محافظة العلا. كان الحفاظ على القطاع الزراعي المحلي ودعم المزارعين من خلال توفير فرص تجارية واعدة أحد أبرز المحاور، حيث أتاح لهم المهرجان التفاعل المباشر مع المشترين المحليين والعالميين.
كما ركز المهرجان على رفع مستوى مبيعات تمور العلا عاماً بعد عام، وتحسين قدرتها التنافسية في الأسواق المحلية والدولية. هذا التوجه ينسجم تماماً مع مستهدفات رؤية السعودية 2030 الطموحة، التي تهدف إلى ترسيخ مكانة المملكة كلاعب رئيسي ومصدر عالمي رائد للتمور. هذه الأهداف الاستراتيجية تعكس وعياً عميقاً بأهمية التمور كمورد اقتصادي وتراثي يستحق الاستثمار والتطوير.
فعاليات متنوعة تجسّد الأصالة والترفيه
امتدت أنشطة وفعاليات مهرجان العلا للتمور 2022 على مدار أربعة أسابيع متتالية، خلال عطلتي الجمعة والسبت، لتشكل نقطة جذب حيوية للزوار من داخل المحافظة وخارجها. وقد صُممت الفعاليات لتلبية اهتمامات شرائح واسعة، حيث خصصت الفترة الصباحية من كل يوم لمزاد التمور الذي شهد تنافساً قوياً بين المزارعين والمشترين.
أما الفترة المسائية، فقد تحولت إلى كرنفال ثقافي وترفيهي يضم فعاليات الحرف اليدوية الأصيلة، التي تعكس مهارة وإبداع أهالي العلا. كما تضمنت الفعاليات عروضاً للمنتجات المحلية، وتجارب ترفيهية متنوعة، إضافة إلى منصات للمأكولات التي تتخذ من التمور مكوناً أساسياً لها، مما يبرز التنوع الغذائي الغني للمنطقة. ولم يغفل المهرجان الفنون المحلية المرتبطة بالإرث الثقافي للعلا، والتي أضفت بعداً فنياً ومعرفياً. ويُذكر في هذا السياق، الفعالية الخاصة التي أقيمت في 22 أكتوبر 2022م تحت اسم “الشنّة”، والتي تعد تعبيراً رمزياً عن تراث أهالي العلا العريق وارتباطهم العميق بالنخيل.
مزاد العلا للتمور: نبض السوق وأصالة المنتج
شكّل مزاد العلا للتمور جزءاً حيوياً ومتزامناً مع النسخة الثالثة من المهرجان، حيث كان بمثابة الشريان الاقتصادي الذي يغذي قطاع التمور في المنطقة. شهد المزاد مشاركة واسعة من 150 مزارعاً قدموا أكثر من 2000 طن من التمور بأنواعها المتعددة. هذا الرقم الكبير يعكس ثراء محافظة العلا بالنخيل، حيث تضم ما يقارب مليوني نخلة، مما يجعلها واحدة من أهم مناطق إنتاج التمور في المملكة.
يُعد تمر البرني هو الأكثر شيوعاً وإنتاجاً في العلا، إذ يشكل نحو 80% من إجمالي إنتاج التمور بالمحافظة، مما يجعله علامة فارقة لتمور العلا. وقد أتاح المزاد للمزارعين فرصة لتقديم أفضل ما لديهم من منتجات، وللمشترين فرصة للحصول على أجود أنواع التمور مباشرة من المصدر، مما يعزز الثقة والشفافية في التعاملات التجارية ويخدم مصالح الطرفين.
و أخيرا وليس آخرا
لقد كان مهرجان العلا للتمور 2022 تجسيداً حياً لاهتمام المملكة بتراثها الزراعي والاقتصادي، ولطموحها في تحويل الموارد الطبيعية إلى قوة دافعة للتنمية المستدامة. من خلال الجمع بين الأهداف الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، استطاع المهرجان أن يبرهن على أن التمور ليست مجرد سلعة، بل هي قصة شعب وثقافة وتاريخ ومستقبل. في ظل هذه النجاحات المتتالية، ومع تزايد الوعي بأهمية هذا القطاع، يبقى التساؤل: كيف يمكن لمهرجان العلا للتمور أن يستمر في الابتكار والتطور ليصبح نموذجاً عالمياً يُحتذى به في ربط المنتج المحلي بالأسواق العالمية، مع الحفاظ على خصوصيته الثقافية والتراثية العريقة؟











