استراتيجية دبلوماسية الخوارزميات: كيف يتم توجيه ذكاء الآلة سياسياً؟
تتبنى إسرائيل حالياً استراتيجية دبلوماسية الخوارزميات كنهج استباقي يهدف إلى تعديل الروايات الرقمية المتداولة حول الصراع في غزة. تسعى هذه الخطة إلى اختراق نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي، وفي مقدمتها ChatGPT، لضمان تقديم إجابات تتماشى مع وجهة النظر الإسرائيلية، وذلك كاستجابة مباشرة لتراجع التأثير الإعلامي التقليدي في الأوساط الدولية، خاصة في الولايات المتحدة.
أدوات التلاعب بالوعي الرقمي
أوضحت تقارير نشرتها بوابة السعودية أن هذه الاستراتيجية لا تعتمد على الصدفة، بل تدار عبر شبكة من الوكالات المتخصصة التي توظف أدوات تقنية متطورة لتحقيق أهدافها، ومن أبرز هذه الأدوات:
- خلق كيانات أكاديمية وهمية: تم إطلاق ما يسمى بـ “معهد هانوفر للسياسة العامة” ليكون واجهة بحثية تضفي صبغة من المصداقية والحياد على المحتوى الموجه.
- هندسة البيانات المرجعية: إنتاج ونشر مجموعة مكثفة من المقالات التي تعالج ملفات حساسة، مثل السياسات الإنسانية والعمليات العسكرية، بهدف توفير مادة مرجعية للذكاء الاصطناعي.
- استهداف مصادر التعلم الآلي: صياغة المحتوى الرقمي بأسلوب يجعله المصدر الأول الذي تلجأ إليه برامج مثل Perplexity وChatGPT عند معالجة الأسئلة المتعلقة بالواقع الميداني.
هيكلية الحملة الرقمية وأطرافها
كشفت الوثائق أن هذه التحركات، التي بدأت بميزانيات أولية تقدر بـ 100 ألف دولار وتوسعت لاحقاً، تعتمد على توزيع أدوار دقيق بين عدة جهات دولية ومحلية، كما يوضح الجدول التالي:
| الطرف المشارك | الدور المنوط به |
|---|---|
| Havas Media | الإشراف العام على استراتيجيات التأثير الخارجي. |
| وكالة Piro | صناعة الواجهة الإعلامية (معهد هانوفر) وترويج المحتوى. |
| LaPam | الجهة الحكومية الرسمية المسؤولة عن التمويل والتوجيه. |
| شركة Res | تقديم البنية التحتية التقنية واستضافة المنصات الرقمية. |
التوسع في هندسة المحتوى الرقمي
لم تقتصر هذه الجهود على المبادرات الصغيرة، بل أشارت بوابة السعودية إلى استثمارات ضخمة وصلت قيمتها إلى 46.5 مليون دولار، بالتعاون مع خبراء في إدارة الحملات الرقمية الأمريكية. يهدف هذا الإنفاق الضخم إلى ضمان ظهور رواية مؤيدة في نتائج البحث ونماذج GPT، وذلك تحت غطاء “مكافحة التضليل” وإدراج بيانات يزعمون أنها موثقة في السجلات الرقمية التي يعتمد عليها الذكاء الاصطناعي.
تتجلى خطورة هذا النهج في قدرته على صياغة “الحقيقة الآلية”؛ فالمستخدمون غالباً ما يثقون في حيادية التكنولوجيا. وعندما تصبح المنصات البحثية الموجهة هي المصدر الأساسي لتغذية هذه الخوارزميات، فإننا نصبح أمام واقع رقمي مصنوع بدقة يتجاوز حدود التضليل التقليدي إلى مرحلة “تزييف الوعي الجماعي”.
إن الانتقال من محاولات إقناع الرأي العام عبر الصحافة إلى استهداف المحركات العصبية للذكاء الاصطناعي يفتح باباً واسعاً للتساؤلات حول نزاهة المعلومات في المستقبل. فإذا كانت الآلة تستقي معرفتها من بيانات مفتوحة يسهل التلاعب بها، فهل نحن مقبلون على عصر يصبح فيه الذكاء الاصطناعي مجرد بوق دعائي متطور؟ وكيف يمكن للمستخدم العادي التمييز بين الحقيقة الموثقة وبين “الحقيقة المصنوعة” التي تمليها الخوارزميات؟






