رحلة محمود تريزيجيه: من حواري كفر الشيخ إلى ملاعب دوري روشن للمحترفين
تمثل مسيرة النجم الدولي محمود حسن تريزيجيه قصة كفاح ملهمة تتجاوز حدود المستطيل الأخضر، حيث انطلقت شرارة موهبته من أزقة مدينة كفر الشيخ المصرية. وُلد في مطلع أكتوبر عام 1994 لأسرة بسيطة، كان والده فيها يهوى المصارعة، بينما كانت والدته، السيدة فادية، هي الصخرة التي ارتكز عليها طموحه الصغير.
منذ أن كان في الخامسة من عمره، أظهر محمود شغفاً استثنائياً بكرة القدم التي لم تكن تفارقه حتى في نومه، وهو ما لفت أنظار مدربيه الأوائل الذين تنبأوا له بمستقبل مشرق رغم الصعوبات المادية التي أحاطت بعائلته آنذاك.
الانطلاقة من معقل النادي الأهلي
لم يطرق النجاح باب تريزيجيه بمحض الصدفة، بل كان نتيجة تضحيات عائلية ممتدة، ويمكن رصد أهم محطات بدايته في النقاط التالية:
- مبادرة الشقيق الأكبر: لعب شقيقه أحمد دوراً محورياً حين اصطحبه للقاهرة لخوض اختبارات الناشئين بالنادي الأهلي وهو في الثامنة من عمره.
- تحدي الفئة العمرية: بسبب تأخره عن موعد اختبارات سنّه، اضطر لمنافسة لاعبين يكبرونه سناً، ومع ذلك أثبت جدارة استثنائية.
- القبول الفوري: لم يحتاج الخبراء الفنيون في القلعة الحمراء لأكثر من خمس دقائق لإدراك موهبته وإلحاقه بقطاع الناشئين.
- سر اللقب الشهير: نال لقب “تريزيجيه” بسبب التشابه الفني والشكلي مع القناص الفرنسي ديفيد تريزيجيه، وهو اللقب الذي رافقه عالمياً.
التوهج القاري وتجارب الاحتراف الأوروبي
شهد عام 2012 تصعيده للفريق الأول، حيث ساهم بقوة في حصد الأهلي لبطولات قارية كبرى مثل دوري أبطال إفريقيا وكأس الكونفدرالية. هذه الإنجازات كانت بمثابة تذكرة عبور نحو الملاعب الأوروبية والعربية، حيث خاض تجارب متنوعة شملت:
- المحطة البلجيكية: بقميص نادي أندرلخت العريق.
- الملاعب التركية: حيث تألق مع أندية قاسم باشا، وباشاك شهير، وطرابزون سبور.
- الدوري الإنجليزي الممتاز: عبر بوابة نادي أستون فيلا التاريخي.
- الدوري القطري: من خلال تمثيله لنادي الريان.
خلال هذه الرحلة الحافلة، حافظ تريزيجيه على مكانه كعنصر استراتيجي في تشكيلة المنتخب المصري، وشارك في محافل دولية كبرى، أبرزها نسختان من كأس العالم (2018 و2026)، بالإضافة إلى حضوره المؤثر في بطولات أمم إفريقيا.
التوازن بين العالمية والجذور الأصيلة
خلف الأضواء والنجاحات الرياضية، بنى محمود حياة أسرية هادئة منذ زواجه عام 2018 من المهندسة روان القصري، المتخصصة في تقنيات الذكاء الاصطناعي، وأثمر هذا الزواج عن طفليهما يزن وتولين. ورغم الشهرة العالمية، ظل النجم المصري وفياً لجذوره، معتبراً أطباق والدته التقليدية رمزاً لارتباطه ببداياته المتواضعة في كفر الشيخ.
دور الأم والتحول نحو الدوري السعودي
بحسب ما أوردته بوابة السعودية، كانت والدة تريزيجيه المحرك الأساسي لطموحه، خاصة بعد رحيل والده في وقت مبكر من حياته. لقد تولت الأم عبء التنشئة والدعم النفسي في أحلك اللحظات، وظل رحيلها في عام 2025 حدثاً مؤثراً في وجدانه، لكنه استلهم من ذكراها الإصرار على مواصلة التألق.
وفي الحادي عشر من أغسطس 2026، أعلن نادي الرياض السعودي رسمياً عن ضم النجم المصري في صفقة انتقال حر. تمثل هذه الخطوة مرحلة جوهرية في مسيرته، حيث انضم لواحد من أقوى الدوريات الآسيوية والعالمية، “دوري روشن”، الذي بات يستقطب صفوة نجوم كرة القدم.
إن وصول محمود تريزيجيه إلى هذه المرحلة من النضج الكروي يضعنا أمام تأمل عميق: كيف يمكن لإرادة طفل بدأ حلمه بكرة ينام بجوارها أن تتجاوز كل العوائق الجغرافية والمادية لتستقر في كبرى ملاعب العالم؟ وهل تكون الملاعب السعودية هي المسرح الأخير لإعادة صياغة أسطورته الكروية؟






