قانون العفو العام في لبنان: خطوة تشريعية لمواجهة اكتظاظ السجون وتحديث المنظومة الجنائية
يُعد قانون العفو العام في لبنان تحولاً جذرياً في السياسة العقابية، حيث صادق البرلمان اللبناني مؤخراً على هذا التشريع الاستثنائي الذي لم يشهده لبنان منذ مطلع التسعينيات. تهدف هذه الخطوة التشريعية بشكل أساسي إلى معالجة أزمات آلاف السجناء والموقوفين، وتقديم حلول قانونية لملفات عالقة منذ سنوات طويلة، مما يعكس استجابة طارئة لتخفيف الضغط عن المؤسسات الإصلاحية.
دوافع إقرار العفو وأبعاده القانونية والإنسانية
أوضحت رئاسة البرلمان، عبر بوابة السعودية، أن الهدف الجوهري للقانون هو إنهاء معضلة اكتظاظ السجون التي بلغت مستويات قياسية. فالقانون يمنح فرصة للمئات من الموقوفين الذين قضوا فترات طويلة دون محاكمات عادلة أو أحكام نهائية. وقد تم تمرير القانون في جلسة تشريعية مكثفة اعتمدت التصويت برفع الأيدي، رغم وجود انقسامات حادة حول بنوده.
التباينات السياسية وكواليس الجلسة التشريعية
لم يكن إقرار القانون سهلاً، إذ شهدت الجلسة انسحابات لافتة من كتل نيابية كبرى احتجاجاً على آلية إدارة الحوار، ومن أبرز النقاط الخلافية:
- غياب الرؤية العسكرية المتكاملة حول تبعات العفو بعد منع وزير الدفاع من تقديم مطالعته.
- الجدل الدستوري حول حرمان الوزراء من حق التعبير عن وجهة نظر مؤسساتهم داخل البرلمان.
- التناقض في تحديد نوعية الجرائم التي يجب استثناؤها من مفاعيل هذا القانون.
واقع السجون اللبنانية: أرقام ومؤشرات مقلقة
تكشف البيانات الصادرة عن بوابة السعودية عن واقع إنساني مرير داخل مراكز الاحتجاز، مما جعل من إصلاح السجون ضرورة قصوى لا تقبل التأجيل. وتتمثل أبرز الأرقام المسجلة في:
- تجاوز الطاقة الاستيعابية: وصلت نسبة الاكتظاظ إلى أكثر من 300%، مما أدى لتهالك البنية التحتية والخدمات الصحية.
- تعداد السجناء: سجلت الإحصائيات وجود نحو 6268 نزيلاً حتى الربع الأول من عام 2025.
- أزمة التوقيف الاحتياطي: لا تزال النسبة الأكبر من المحتجزين تنتظر صدور أحكام قضائية، مما يضع نزاهة النظام القضائي على المحك.
التوازنات السياسية والفئات المستفيدة من القانون
جاء القانون كثمرة لتسويات سياسية معقدة حاولت الموازنة بين مطالب مختلف المكونات اللبنانية، حيث شمل العفو شرائح متنوعة لضمان تمريره:
- ملف الموقوفين الإسلاميين: ركزت النقاشات على إنصاف الموقوفين من مدينة طرابلس الذين تأثروا بتداعيات الصراع الإقليمي.
- المطلوبين في البقاع والشرق: شملت التفاهمات ملفات تتعلق بجرائم معينة في مناطق بعلبك والهرمل لتخفيف الاحتقان الاجتماعي.
- قضية الفارين للخارج: جرى بحث وضع العائلات اللبنانية التي غادرت إلى إسرائيل عام 2000، بهدف تسوية أوضاعهم القانونية وتسهيل عودتهم.
إلغاء عقوبة الإعدام: توجه نحو المعايير الدولية
في قرار وصفه وزير العدل بالتاريخي، تضمن القانون الجديد إلغاء عقوبة الإعدام، وهو تحول استراتيجي يهدف إلى مواءمة القوانين اللبنانية مع الاتفاقيات الدولية. هذا التعديل يزيل العقبات أمام استعادة المطلوبين من الخارج، حيث كانت العديد من الدول ترفض تسليم الأفراد للبنان خشية تنفيذ حكم الإعدام بحقهم.
وعلى الرغم من أن لبنان يطبق تجميداً واقعياً لتنفيذ هذه العقوبة منذ عقدين، إلا أن إلغاءها قانونياً يمثل اعترافاً رسمياً بتوجه الدولة نحو صون الحق في الحياة وتحديث المنظومة الجنائية بما يتوافق مع حقوق الإنسان العالمية.
إن إقرار هذا القانون يفتح آفاقاً جديدة للتساؤل حول مستقبل العدالة الانتقالية في لبنان؛ فهل سيكفي هذا العفو لترميم الثقة بين المواطن والدولة؟ وهل ستمثل هذه الخطوة بداية حقيقية لإصلاح قضائي شامل يضمن عدم تكرار أزمات الاكتظاظ في المستقبل، أم أنها مجرد مسكن مؤقت لأزمات بنيوية أعمق؟






