ملتقى الشعر في أحد رفيدة: فضاء يجمع بين الفكر والأدب
تعتبر الفعاليات الثقافية في السعودية ركيزة أساسية في بناء الوعي المجتمعي وتعزيز الهوية الوطنية، وهو ما تجلى مؤخراً في ملتقى الشعر الذي استضافه مسرح بيت الثقافة بمحافظة أحد رفيدة. الأمسية التي نظمتها “بوابة السعودية” عبر مكتبتها العامة، جمعت بين المفكر الدكتور عائض القرني والشاعر محمد بن نغموش، في حوار أدبي عميق جذب اهتمام المثقفين والإعلاميين الباحثين عن الأصالة والكلمة المتزنة.
عكست هذه الفعالية حالة من التناغم بين الرؤى الفلسفية والتجارب الشعرية المعاصرة، مما أضفى طابعاً إبداعياً خاصاً على منطقة عسير، وفتح نقاشات حيوية حول تحولات المشهد الثقافي المحلي ومستقبله في ظل التغيرات المتسارعة.
قراءة في واقع الشعر والتحولات الوطنية
في حديث خاص أدلى به لـ “بوابة السعودية”، تناول الدكتور عائض القرني حال المشهد الشعري اليوم، لافتاً إلى أن كثرة النتاج الأدبي لا تعني جودته بالضرورة. وقد لخص رؤيته النقدية في المحاور التالية:
- ندرة الموهبة الاستثنائية: يرى القرني أن الساحة الثقافية مليئة بالأسماء، لكن المبدعين الذين يتركون بصمة تاريخية خالدة يظلون قلة نادرة.
- أهمية التنقيح الفني: شدد على ضرورة أن يعرض الشعراء الشباب أعمالهم على الخبراء والنقاد قبل نشرها، لضمان تقديم محتوى يليق بالذائقة العامة.
- تخليد ذكرى الرموز: استذكر القرني بتقدير كبير الشاعر الراحل سعد بن جدلان، واصفاً رحيله بأنه ثلمة لا تسد في جدار الأدب الشعبي الرصين.
أما على الصعيد الوطني، فقد أثنى القرني على النهضة الكبرى التي تشهدها المملكة بقيادة سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، مؤكداً أن الإصلاحات طالت البنية التحتية والفكرية على حد سواء، وأن استضافة السعودية للمونديال ستكون بمثابة رسالة حضارية تبهر العالم.
ثقافة الحياد والترفع عن التعصب الرياضي
تطرق الدكتور القرني إلى موقفه من الوسط الرياضي، مؤكداً التزامه بمنهج الحياد والمساواة بين جميع الأندية. وأوضح أن الانتقادات التي واجهها من بعض الجماهير، وتحديداً مشجعي نادي النصر بعد إحدى المواجهات القارية، لم تثنه عن قناعته بأن الرياضة يجب أن تظل وسيلة لتعزيز الوحدة الوطنية والروح الرياضية، بعيداً عن الانقسامات الضيقة التي لا تخدم المجتمع.
محمد بن نغموش: تقييم المسابقات الشعرية الحديثة
اعتبر الشاعر محمد بن نغموش تواجده في منصة واحدة مع الدكتور القرني محطة فارقة في مسيرته الأدبية. وخلال حواره مع “بوابة السعودية”، قدم رؤية نقدية صريحة حول آليات المسابقات الشعرية الحالية وتأثيرها على المشهد الإبداعي:
وهم الشهرة المؤقتة
أوضح بن نغموش أن برامج المسابقات تمنح المشاركين انتشاراً إعلامياً سريعاً، لكنه غالباً ما يكون بريقاً زائلاً. فبمجرد انطفاء أضواء الكاميرات، تنسى الذاكرة الجمعية الكثير من الأسماء، ولا يبقى في الميدان إلا من يمتلك تجربة شعرية حقيقية تتسم بالعمق والاستمرارية.
خلل معايير التقييم والمادية
انتقد الاعتماد المتزايد على تصويت الجمهور والدعم المادي كمعيار لتحديد الفائزين، معتبراً أن هذا النهج يغلب “المادة” على “الجزالة الفنية”. هذا الأسلوب قد يؤدي إلى تصدر أسماء لا تمتلك الكفاءة اللازمة، مما يضعف هيبة النقد الأدبي الرصين ويشوه معايير التفوق الإبداعي.
تؤكد هذه الأمسية أن الحراك الثقافي في المملكة يمر بمرحلة نضج لافتة، حيث يسعى المبدعون لرسم هوية وطنية تجمع بين الأصالة والحداثة. ومع هيمنة الفضاء الرقمي، يبقى التساؤل قائماً: هل ستتمكن القيمة الفنية للنصوص الرصينة من الصمود أمام موجة الشهرة السريعة التي تفرضها المنصات الحديثة؟






